مجال التعمير

 25 سنة من الإصلاحات التشريعية

إذا كان تمت ميدان حساس وفي تحول دائم، سيكون وبامتياز ميدان التعمير، ذلك لأنه من المفروض أن يعكس التحولات الاجتماعية والمجالية المضطردة، ويستجيب للحاجيات المتجددة للسكان المعنيين. فمثل هذا المجال لكونه ملزما بالتوفيق بين المصالح المتضاربة، فهو، في غالب الأحيان، يتطلب لتنظيمه تنظيما محكما قواعد لعبة وجيهة تكون في تجديد وتحيين دائمين.

 ففيما يتعلق بالمغرب، فإن التنمية العمرانية قد أثارت، منذ العقد الأول من القرن الماضي، اهتمام السلطات العمومية. ومنذ ذلك الحين تم إصدار تشريعات متتالية في هذا المجال، وذلك كلما كانت تدعو الحاجة لذلك، أو ظهرت انشغالات جديدة.

وبصفة شمولية، فإذا بذلت في مجال التأطير القانوني للعمران جهود حميدة، فإن واقع حال التعمير، في شتى مظاهره، قد أفرز في الوقت الحاضر، واقعا عمرانيا أكثر ضيقا، والذي لوحظت بجلاء علاماته الأولى منذ السبعينات. ومنذ ذلك التاريخ بدأ التفكير في ضرورة إصلاح القانون المغربي للتعمير، يشق طريقه، وظهرت فعلا معالم الإصلاح.

ومن أجل استشراف المستقبل، برؤية أكثر وضوحا وأمانا، فيقتضي الأمر إلقاء نظرة على المجهودات المبذولة، خلال العقود الأخيرة، من طرف السلطات العمومية في مجال التشريع المرتبط بالتعمير لفهم الأسباب التي كانت وراء الإصلاحات المتتالية المعتمدة أو التي بقيت مجرد مشاريع، مع استخلاص الدروس التي تفرض نفسها.

 فإذا ما اقتصرنا على ال25 سنة الأخيرة، سنقف على أربع مراحل هامة في مجال التفكير في إصلاح الإطار القانوني للتعمير ببلادنا، والتي يستوجب الأمر الوقوف عليها قبل التساؤل عن المستقبل.

الإصلاحات المنطلقة مع بداية الثمانينات.

  • ·مشروع القانون رقم 00-42 المقترح سنة 2000.

  • الإصلاحات الجزئية لسنة 2003.

  •  مشروع القانون رقم 04-04 المقترح في سنة 2004.

1- الإصلاحات المنطلقة منذ الثمانينات :

خلال عقد الثمانينات، انطلق عمل فكري جاد حول موضوع التعمير بالمغرب وآفاق إصلاح الإطار التشريعي والتنظيمي الذي يحكمه، متجاوزا بذلك المواضيع التقليدية الذي كرسها تشريع الخمسينات، وبالتحديد ظهيري 1952 و1953، المتعلقين على التوالي بالتعمير وتجزيء الأراضي وتقسيمها. فقد هم هذا المجهود الفكري أيضا مواضيع جديدة، مثل المسائل ذات الطابع العقاري وطرق التهيئة الأخرى كالتهيئة التشاورية.

 فإذا كان القانون رقم 90-12 والقانون رقم 90-25 نتيجة لهذا المجهود، قد رأيا النور سنة 1992، فإن مشاريع النصوص المتعلقة بمناطق التهيئة التشاورية وإحداث حق الأولوية (الشفعة) لفائدة الأشخاص العمومية لم تعرف، خلافا لذلك، نفس المصير؛ فهذان الأخيران لم يتجاوزا مرحلة مجلس الحكومة بالنسبة للأخير، والمشاورات بين الوزارات بالنسبة للأول. والسبب في ذلك، هو أنه على مستوى الحكومة، لم تكن المشاطرة، في ذلك العهد، حول الملائمة (opportunité) وكذا الأهداف التي ترمي إليها هذه المشاريع، وذلك بالرغم من أهميتها في حل المشاكل المرتبطة بالتهيئة العقارية وفي تعاضد مقاربات وممارسات مختلف المتدخلين في مضمار التعمير. 

لذلك، فمن جهة، لم تكن هذه الانشغالات الجديدة مستوعبة، بشكل جيد، من قبل الوزارات المعنية، ومن جهة أخرى، فالتيار الليبرالي الذي كان سائدا في البلاد لم يكن ليسهل هذه المهمة، فالأولوية كانت لإعادة تأسيس التوازنات الأساسية تطبيقا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية.

وهكذا تم تمديد المبادئ الكبرى التي سبق تكريسها بالنصوص الأولى للحماية مع إدخال بعض التحسينات التي لا يمكن الاستهانة بها (التخطيط الحضري، رخصة البناء، التجزئة...) والتي كان لها تأثير أكيد على الميدان.

كما لا يجب نسيان النصوص التشريعية التي تم إعدادها بمبادرة من وزارة الداخلية كالظهائر بمثابة قوانين المتعلقة بالمخطط التوجيهي للتهيئة الحضرية وبالوكالة الحضرية للدار البيضاء، وكذلك الظهير المتعلق بالأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي فيها، والتي تم إصدارها كلها سنة 1984.

غير أنه لا يبدو أن العمران الضاغط والواقع المتمرد الذي تعرفه بلادنا قد وجد العلاج في القوانين الجديدة وبالخصوص كما هي مطبقة، وفي حدود الوسائل المتواضعة بشكل ملحوظ والتي تتوفر عليها الدولة والجماعات المحلية.

وفي مجال توزيع الاختصاصات، فإن التغييرات المحدثة ليست ذات أهمية كبرى، علما أن نقل السلطات في مجال التعمير لفائدة الجماعات المحلية ينبثق بالأساس من الميثاق الجماعي لسنة 1976، وهو نقل اعتبر آنذاك جريئا بل سابقا لأوانه.

وقد كشف تقييم تطبيق مقتضيات النصوص التشريعية والتنظيمية المعدة ابتداء من سنة 1997 عن اختلالات صارخة وعن ثغرات كبيرة وحاجيات جديدة في مجال التنظيم خصوصا بالنظر إلى الانشغالات الجديدة التي ظهرت ببلادنا.

ويستنتج مما سبق ذكره بالأساس ما يلي :

* أن المغرب لم يتوقف عن معرفة واقع عمراني يتميز نموه بسرعتين: قطاعات نمو منظم، وقطاعات نمو غير منظم تنفلت من كل قاعدة للتعمير ؛

* التأثير الضئيل لأدوات التخطيط الحضري على تنظيم تنمية المدن والتجمعات القروية أبان عن مشاكل لها ارتباط ب :

-      أدوات التخطيط نفسها ؛

-      غياب وسائل تفعيل هذه الأدوات ؛

-   تعبئة الأراضي الحضرية.

* تنظيم التعمير، الأكثر طموحا في شموليته، عمق الهوة الموجودة بين القطاعات المنظمة والقطاعات غير المنظمة ؛

* وثائق التخطيط الحضري غير متطابقة مع الواقع وصعبة التنفيذ ؛

* صلابة التنظيم وثقله بدأت تشكل عائقا جادا أمام تنمية الاستثمارات (مشاكل ملائمة الأدوات) وتشجيع تنمية القطاع غير المنظم ؛

* انتشار السكن غير اللائق يضع الدولة والجماعات المحلية في وضعية صعبة، بسبب غياب الأدوات المناسبة والوسائل المالية الضرورية ؛

* الأنسجة القديمة تتدهور بسبب انعدام الصيانة وتهدد بالإنهيار؛ أنسجة أخرى أقل قدما، عرفت نفس المآل، بسبب المضاربة العقارية وأيضا الغش والنهب في مجال التجهيز والبناء ؛

* المدن لا تسير بشكل متجانس ومنسق.

لقد كشف هذا التقييم أيضا عن كون القوانين والأنظمة الجاري بها العمل كانت في الواقع قواعد موضوعة لتعمير بطيء، وبالتالي من المفروض أن تسمح للإدارة على التوفر على الوقت الكافي وعلى الوسائل الضرورية للعمل بالدقة للوصول إلى هدف أسمى.

والحالة هذه، أن الوضعية السائدة في بلادنا تتطلب إعداد نصوص تضمن سرعة جيدة للتدخل في علاقتها مع العمران الضاغط والتي تقتصر على معالجة الجوانب الأكثر أهمية وتسمح بالعمل على جميع المستويات بالسرعة الضرورية.  

وكرد فعل على هذه الوضعية الأكثر إشغالا للبال، تم في هذه الحالة إصلاح شامل للتشريع المتعلق بالتعمير، حيث تم في عهد حكومة التناوب إعداد مشروع القانون رقم 00-42 سنة 2000.

2- مشروع القانون رقم 00-42

يرمي الإصلاح المقترح، علاوة على توحيد التشريع المطبق على مجموع التراب الوطني دون تمييز بين المناطق الحضرية والمناطق القروية، إلى تحقيق الأهداف التالية :

* إدخال مرونة أكثر على مقتضيات النصوص التشريعية والتنظيمية من أجل الأخذ بالحسبان الخصوصية المحلية والجهوية والمشاريع أيضا ؛

* مراجعة نظام التخطيط الحضري ؛

* الأخذ في الحسبان هاجس التنمية المستدامة ؛

* التأسيس لقواعد تعمير تشاوري ؛

* رفع العراقيل العقارية والمالية أمام التنمية الحضرية ؛

* تبسيط المساطر والمسالك الإدارية ؛

* مراجعة النظام المطبق على رخص التجزيء والبناء وإحداث مجموعات سكنية ؛

* تشجيع الاستثمارات ؛

* ضبط حركة البناء (المتابعة والمراقبة والزجر) ؛

* تحديد المسؤولية وتوزيع الأدوار بين مختلف المتدخلين في مجال التدبير الحضري ؛

* إدماج المناطق والأبنية غير المنظمة في النسيج الحضري.

فمرورا بتعديل القانونين الأساسيين، الجاري بهما العمل، إلى اقتراح إصلاح شامل لتشريع يوحد كل النصوص الجاري بها العمل بما فيها النص المطبق على التجمعات العمرانية القروية، كانت الإدارة تعتقد أنها قد وضعت حدا للتردد وانزلاقات الماضي.

فمشروع القانون 00-42 الذي جاء نتيجة عمل دراسي وتشاور واسع لا سابق له، اشترك فيه منتخبون ومهنيون وإدارات وجامعيون، والذي جدد في أكثر من صعيد، تعتريه رغم ذلك في نظرنا ثلاث ثغرات أساسية :

* يبدو أن نظام التخطيط الذي يقترحه المشروع يتطلب أيضا بحثا أكثر تعمقا آخذا في الحسبان متطلبات الميدان ؛

* اقتراح مساهمة في تكاليف التمدن، دون التمكن من إضفاء صفة الاستمرارية لهذا الإجراء لكونه لم يأخذ بعين الاعتبار النظام والتكاليف الجبائية في بلادنا، التي هي محط انتقادات من طرف الفاعلين الاقتصاديين وبالتالي موضوع مشروع إصلاح ؛

* لم يتطرق بشكل واف للمجال العقاري كجانب لا يمكن إغفاله، وتجاهل عمليات التهيئة، غير تلك المتعلقة بالتجزئات والمجموعات السكنية.

ورغم المجهودات المبذولة لاعتماد مشروع القانون هذا ، فإنه لم يصل إلى المرحلة النهائية، لأن عددا مهما من مشاريع النصوص، التي اعتبرت ذات أولوية، قد تم إدراجها في آن واحد في المسلك الرسمي للمصادقة.

وبالفعل فقد تم اقتراح هذا المشروع في نفس الوقت الذي قدمت فيه إلى الحكومة مشاريع نصوص استراتيجية أخرى، كالميثاق الجماعي الجديد. وكانت بعض مقتضيات مشروع هذا الميثاق أيضا موضوع اختلاف وجهات النظر بين مصالح الوزارات المعنية حينما كان قيد الدرس.

 كما تم طرح ملائمة تقديم مراجعة جذرية لقانون لم تمر بعد عشر سنوات على الأقل من صدوره، بدل اقتراح تغييرات جزئية تستهدف بعض النقط فقط.

وتجب الإشارة في آخر المطاف إلى أن مشروعا بعنوان "مشروع قانون حول الشراكة والعمل التضامني لمحاربة السكن غير اللائق" تم إدراجه أيضا في مسطرة المصادقة من قبل كتابة الدولة في الإسكان. ويتسم هذا المشروع بتقاطعه مع مشروع القانون رقم 00-42 السالف الذكر، مما قد لا يعفي من طرح مسألة الأولوية : أيا من المشروعين يمكن اعتباره أولويا ؟

كما سجل أيضا اختلاف الرؤى بين مصالح الإسكان والمصالح المكلفة بالتعمير حول بعض نقاط هذا المشروع، لكون مجالات التعمير والإسكان ليست دائما على نفس المنظور اعتبارا للأهداف الخاصة بكل منهما والصعبة التوفيق فيما بينها في بعض الأحيان.

وإذا كان المشروع المقدم من طرف كتابة الدولة في الإسكان قد عرف نفس المآل كمثيله المقدم من طرف الوزارة المكلفة بالتعمير، فإن أربعة مشاريع (3 مشاريع قوانين ومشروع مرسوم) تم إعدادها من قبل الأولى قد عرفت مصيرا محمودا. وهذا، بفضل تكاثف جهود مصالح الأمانة العامة للحكومة ووزارة العدل كجهة معنية بالعقار، والجهة المقدمة للمشاريع، وهي مشاريع القوانين المتعلقة بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، وببيع العقار في طور الإنجاز وبالكراء المفضي للتملك وأيضا مشروع المرسوم المحدث للمجلس الوطني للإسكان.

3 – إصلاحات سنة 2003

على إثر تحديد استراتيجية جديدة لعمل السلطات العمومية في مجال التعمير والإسكان، ظهرت أولويات جديدة من بينها تسريع وتيرة إنتاج السكن الاجتماعي ومحاربة السكن غير اللائق. ولتفعيل الإصلاحات الضرورية ترك مشروع الإصلاح السالف الذكر المجال لإدخال تغيرات دقيقة ومحددة من شأنها حل المشاكل التي تطرح بحدة أمام قطاع الإسكان.

لذلك، ولتحسين المناخ القانوني في أسرع وقت ممكن من أجل تكثيف إنتاج السكن، فقد بدا ضروريا تفادي، بصفة عاجلة إجراء عدد من الإصلاحات الجزئية على المدى القصير والمتوسط، خصوصا على القانونين رقم 90-12 ورقم 90-25. وغني عن البيان، أن مشاريع التعديلات الجزئية هاته قد استلهمت من المقتضيات المقترحة في مشروع القانون رقم 00-42.

وهكذا، استهدفت الإصلاحات الجزئية(1) بالأساس :

- إدخال مرونة أكثر على مقتضيات النصوص التشريعية والتنظيمية من أجل الأخذ في الحسبان خصوصيات المجال والواقع المتنوع لبلادنا.

- إحداث آليات لملائمة النصوص التشريعية والتنظيمية؛

- مراجعة نظام التخطيط الحضري ؛

- وضع أسس تعمير تشاوري ؛

- إزالة العراقيل العقارية والمالية أمام التنمية العمرانية ؛

- تبسيط المساطر والمسالك الإدارية ؛

- مراجعة النظام المطبق على رخص التجزيء والبناء وإحداث المجموعات السكنية ؛

- تشجيع الاستثمارات ؛

- ضبط حركة البناء (المتابعة والمراقبة والزجر) ؛

- تحديد المسؤوليات وتوزيع الأدوار بين مختلف المتدخلين في مجال التدبير العمراني ؛

- إدماج المناطق والبنايات غير القانونية في الأنسجة الحضرية ؛

- تنمية المؤسسات المتخصصة الفاعلة في مجال التنمية العمرانية.

وبهدف مواجهة الظروف الاستثنائية التي تتجلى أساسا في توالي الكوارث الطبيعية وانعكاساتها السلبية على سلامة الأشخاص وممتلكاتهم، قامت السلطات العمومية بتبني خيار مشروع قانون تعديلي (رقم 04-04) والذي تتمحور مبادئه الرئيسية، بالأساس، حول الوقاية.

4 - مشروع القانون رقم 04.04

يستجيب مشروع القانون رقم 04-04 المقترح من طرف الحكومة، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية، المضمنة في خطاب الحسيمة، بتاريخ 25 مارس 2004 والذي حدد أجلا لإيداع مشروع قانون بمكتب مجلس النواب، للأهداف التالية:

* توخي السلامة في البناء ؛

* المهنية في قطاع البناء ؛

* محاربة البناء غير القانوني والسكن غير اللائق بكل أشكاله وتحميل المسؤولية للمتدخلين ؛

* ضمان عرض كاف من السكن الاجتماعي الأقل تكلفة ؛

* تبسيط وعقلنة مساطر الترخيص بالتجزيء والبناء، و توضيح أدوار مختلف المتدخلين.

وللإشارة فإن هذا المشروع لم يشكل إصلاحا شموليا للتشريع المتعلق بالتعمير، ولكن فقط مشروعا يغير ويتمم قانوني رقم 12.90 ورقم 25.90 المشار إليهما أعلاه، ويحل محل الظهير المؤرخ في 25 يونيو 1960 المتعلق بتنمية التجمعات العمرانية القروية.

ويوجد هذا المشروع، الذي يعتبر أحد المرتكزات الثلاث لمحاربة السكن غير القانوني والسكن غير اللائق، منذ ماي 2004 قيد الدرس لدى مجلس النواب، بوثيرة تبدو بطيئة جدا.

فبمجرد وضع هذا المشروع في مسلك المساطر، أعطى للإدارة أملا في إخراجه إلى حيز الوجود في أجل جد قصير. لكن هذا لم يحدث، مما جعل الوزارة المكلفة بالتعمير والإسكان في وضعية تفتقر للرؤية السديدة لمواصلة باقي أعمالها المرتبطة بهذا الموضوع.

للإشارة، فإن هذا المشروع قد أثار بعض التخوفات من قبل المنتخبين خاصة فيما يتعلق بالمسائل التالية :

- مكتسبات اللامركزية ؛

- تشجيع الاستثمار ؛

- تنمية المجال القروي ؛

- التشديد في المقتضى الزجري و المراقبة.

ومن جهة أخرى، فقد أثار هذا المشروع الجدل من جديد، و بالتحديد حول تدخل مختلف المهنيين في مجال البناء والتجزئات العقارية وكذا حول العلاقات فيما بين هؤلاء الفاعلين.

وفي الوقت الراهن، وتلبية لطلب ملح، بالخصوص من طرف البرلمانيين، فإن السلطات العمومية مدعوة لإعداد مشروع قانون يرتكز على أسس جديدة وذلك لإصلاح شمولي للتشريع الجاري به العمل، إصلاح من شأنه أن يفرز، في آخر المطاف، مدونة حقيقية للتعمير، كتلك التي تعرفها العديد من البلدان الغربية.

وبهذه المناسبة، وللتوفر على الرؤية الضرورية، وبغض النظر عن الشكل الذي ستتخذه هذه المدونة، ينبغي التساؤل حول عدد من القضايا سواء بالنسبة لمضمون هذا المشروع أو النهج المتعين إتباعه لوضعه.

5- تساؤلات حول المستقبل

بداية، يجب علينا التساؤل في أي اتجاه تطور السياق القانوني المغربي، منذ التفكير في إعداد مشروع القانون المشار إليه أعلاه رقم 42.00. وبهذا الخصوص فإن إلقاء نظرة أولية على الخمس السنوات الأخيرة سوف يسمح لنا بالوقوف على سبع معطيات أساسية فقط، تستحق إبرازها في نظرنا وهي كالتالي :

- إحداث المجلس الأعلى لإعداد التراب واعتماد ميثاق ومخطط وطني لإعداد التراب ؛

- صدور الرسالة الملكية حول التدبير اللامتمركز للاستثمار سنة 2002 وآثارها الإيجابية على عدة مستويات ؛

- إصدار ميثاق جماعي، الذي لم يحدث، خلافا للانتظارات، ثورة في مجال اللامركزية وبالخصوص فيما يتعلق بالتعمير. فباستثناء إلغاء المراقبة القبلية التي لم تطبق قط، والمراجعة التي همت نظام الجماعات الحضرية الكبرى والتي لم تفرز كل النتائج المتوخاة منها، فإن ميدان التعمير لم يطله أي تغيير أساسي ؛

- تبني مقاربة شمولية في مجال الإسكان: إجراءات مشددة تجاه البناء غير القانوني والسكن غير اللائق، إنتاج وافر من السكن الاجتماعي وتسهيلات وتبسيطات متنوعة ؛

- إصدار نظام مضاد للزلازل يطبق على مجموع التراب الوطني ؛

- توسيع نطاق تطبيق القاعدة القانونية للتعمير عملا بمشروع القانون رقم 04.04 بغية الحد من المناطق غير المشمولة بالقانون، وبالتالي ضمان السلامة في البناء.

ثانيا، وعلى مستوى الدراسات، هل حصل تقدم كاف من شأنه أن يغني المشاريع التي توجد حاليا في طور الدراسة ؟ وتجدر الإشارة بهذا الخصوص أن المشاريع العالقة الخاصة بالتهيئة التشاورية وحق الأولوية لم تزك بأي دراسة أو ممارسة ميدانية.

* على مستوى اللامركزية، فإن مشاريع النصوص المقترحة، تتناقض، وهي على كل حال لا تستجيب لطموحات المنتخب. فإذا كان خيار اللامركزية كونيا لا رجعة فيه، فما هي الضمانات الكفيلة بتجاوز الوضعية المقلقة الراهنة ؟

* كيف يمكن التوفيق بين مقاربتين (اقتصادية واجتماعية) في مجال الإسكان والتعمير، وذلك حتى لا يكون للتقليص من المواصفات أثر سلبي على السكن أو الحي أو المدينة ؟

* كيف سيكون التعامل مع انتظارات بعض المهنيين كمكاتب الدراسات والمقاولين ؟

* ما الدور الذي على الوكالات الحضرية أن تلعبه في ميدان التدبير الحضري؟

* ماذا عن الممارسات في مجال التعمير في الوقت الراهن ؟ على هذا الصعيد، فإن المبادرات سواء كانت من القطاع العام أو الخاص توجد في مواجهة مع واقع يؤدي بها إلى التراجع في كثير من الحالات، إذا لم يتسم أصحابها بروح المثابرة.

ذلك أن الواقع المواجه بعيد أن يكون ملائما لتطبيق بعض القواعد القانونية، فلو لم تسمح الدوريات بملائمات، لما رأى عدد مهم من المشاريع الحيوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية النور في العقد الأخير. وهكذا، فقد منحت استثناءات، خارج الإطار القانوني، لفائدة مشاريع الاستثمار ومناطق التهيئة التدريجية المأذون بها.

وهذا الأسلوب في العمل بالرغم من كونه مسموحا به من طرف المسؤولين، فإنه لم يحظ بالإجماع حتى من داخل الإدارة نفسها، مما تسبب في الإحراج في كثير من الحالات  وأفرز ضرورة واستعجال تأهيل تشريعنا.               

ومن الواضح أن هذا التأهيل لن يكون يسيرا بمكان إذا ما عرفنا أن ميدان التعمير في تداخل مع ميادين أخرى والتي هي أيضا محط نقاش (الجبايات، اللامركزية...).

ثالثا، تطرح التساؤلات التالية حول مضمون مشروع المدونة :

- ما هي المواضيع التي يجب أن يتضمنها مشروع القانون ؟

- هل يجب أن يشمل كل المواضيع التي ترتبط بالتعمير؟

- هل نتوفر على كل الدراسات والأبحاث التي تسمح بالتطرق لكل هذه القضايا وخاصة معالجة الأنسجة القديمة ؟

- ما هو المآل الذي ينتظر ظهيري 1917 و1938 المتعلقين على التوالي بالجمعيات النقابية للملاكين الحضريين وملاكي التجزئات غير المطبقين عمليا ؟

وأخيرا، يطرح تساؤل حول معرفة ما إذا كان سيستمر العمل ببعض الأنظمة الخاصة الجاري بها العمل مثل تلك المتعلقة بالدار البيضاء والأماكن المخصصة لإقامة شعائر الدين الإسلامي بها.

تلكم هي الوضعية كما تصورتها، الإدارة والتي تدعو الجميع للعمل بدون تأخر من أجل إجراء إصلاح شمولي توافقي يكون أكثر واقعية وقابلية للتحقيق.

وهذا الإصلاح يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كثيرا من المتطلبات التي لها نفس الأهمية وترتبط سواء بعوامل داخلية أو خارجية كي يتم بالفعل الارتقاء بمجتمعنا.

وبغض النظر عن ضرورة تأهيل قانوننا الداخلي استعدادا لمواجهة العولمة التي أصبحت على المشارف، يجب أيضا في إطار الإصلاح المتوخى، الأخذ بعين الاعتبار، الانشغالات التي أفرزتها التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمجالية كإعداد التراب، والتنمية المستدامة، والوقاية من الأخطار واللامركزية واللاتمركز، ومتطلبات الشرائح الاجتماعية ذات الإحتياجات الخاصة، وتشجيع الاستثمار وإدخال مبادئ الإنصاف والعدالة العقارية وتعزيز دولة القانون.  

(1) - مشروع قانون يغير القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير ؛

     - مشروع قانون يغير القانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات.

     - مشروع قانون بسن إجراءات انتقالية لتسوية المناطق والبنايات غير القانونية؛

     - مشروع قانون يقضي بسن إجراءات مؤقتة بهدف تشجيع مشاريع التنمية ذات الفائدة الاقتصادية والاجتماعية المؤكدة.