مدى اختصاص الإدارة في مراقبة الجوانب العقارية حين البث
في طلبات التجزيء والبناء
تدخل السيد مولاي عبد السلام شيكري
-اليوم الدراسي حول العقار والتنمية المجالية
المنظم من طرف المجلس البلدي لتزنيت ومركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية
بكلية الحقوق –جامعة القاضي عياض 13 مايو 2006-
بسم الله الرحمن الرحيم
يسعدني أن أشارككم في هذه الندوة العلمية الهامة بموضوع نسعى من خلاله، فضلا عن تبادل وجهات النظر، كل من موقعه، إلى الرفع من التحسيس بمدى تعقد الإشكالية العقارية ببلادنا وبالصعوبات التي تواجهها الإدارة المختصة أمام طلبات رخص التعمير بمختلف أنواعها والتي هي مطالبة، كإدارة مواطنة، بالبت فيها. كما نتطلع، وبحضور رجال القضاء وأساتذة جامعيين وباحثين من ذوي الاختصاص وفاعلين محليين بمختلف أطيافهم، إلى الوصول إلى نتائج ملموسة تساعد على الحسم بصفة نهائية وبكل جرأة في هذا الموضوع الشائك، وذلك بوضع حد لتعارض المواقف وتذبذب الآراء المتعلقة به.
لقد ظلت الإدارات المكلفة بدراسة طلبات رخص التعمير، لمدة طويلة، في العديد من الدول، حبيسة المقتضيات العقارية حين النظر في طلبات الترخيص، انطلاقا من حرصها على تفادي المسؤولية المحتملة التي يمكن أن تنجم عن تسليمها لرخصة قد تكرس أو تعطي الشرعية للتطاول على ملكية أحد الأفراد أو حق من حقوقه العقارية، أو من خلال تصميمها على ضمان الاستقرار القانوني للاستثمار العقاري، وذلك بالنظر للعلاقة الوطيدة بين قانون التعمير وحق الملكية.
وقد سبب هذا الحرص في زج الإدارة المختصة في تسليم الرخص في العديد من المشاكل، حيث نصبت نفسها في العديد من الحالات، كقاضي للقانون المدني، في حين أنها غير مِؤهلة لذلك قانونا ولا تتوفر على المعطيات التي تسمح لها بالاضطلاع بهذا الدور على الوجه السليم، خصوصا إذا تعلق الأمر بالأراضي غير المحفظة أو أراضي الجموع أو الأملاك المشاعة، بل حتى في حالة العقارات المحفظة التي تثقلها بعض الارتفاقات. وقد كان هذا الأمر مصدر العديد من الانتقادات خصوصا لعمل الوكالات الحضرية، ولم تفلت الجماعات، التي زج بها في بعض الحالات في نزاعات أمام المحاكم، هي الأخرى من هذا المأزق.
فاختيار الموضوع إذن سؤال إشكالي فرضته بإلحاح الممارسة اليومية، وملامسته تقتضي منا تحليل الإشكالية المطروحة ثم التعرض لمختلف المواقف الواردة بشأنها قبل الوقوف على ما ترتب أو قد يترتب عنها من آثار استشرافا للمستقبل.
أولا- تحليل وضعية طلبات رخص البناء
من المعلوم أن رخص البناء تسلم من لدن رئيس المجلس الجماعي بعد الحصول على موافقة الوكالة الحضرية. ومن أجل تسليم هذه الرخص، فهاتان الجهتان ملزمتان بمراقبة عدد من الجوانب مراقبة دقيقة من المفروض أن تجد مرجعيتها في القوانين والأنظمة المعمول بها من نصوص عامة أو خاصة، كوثائق التعمير وأنظمة البناء.
وهنا قد يتساءل متسائل: هل يدخل ضمن الجوانب اللازم مراقبتها الجانب العقاري للمشروع كملكية العقار والارتفاقات التي قد تثقله وبالتالي بناء القرار الإداري القاضي بمنح الترخيص من عدمه على ذلك؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما هي الإدارة المختصة للقيام بهذا الدور؟ هل الجماعة أم الوكالة الحضرية أم هما معا ؟
فإذا ما رجعنا إلى القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير الصادر سنة 1992 والمرسوم الصادر لتطبيقه سنة 1993، لا نجد ما يفيد أن طالب الرخصة يشترط فيه وجوبا أن يكون مالك العقار ولا ما يلزم الإدارة بالتحقق من ملكية هذا العقار ولا حتى الإشارة إلى الوثيقة التي ينبغي أن يتضمنها الملف بهذا الشأن (رسم عقاري أو شهادة ملكية...). ولعل ما أحدث خللا في هذا المجال هو بالخصوص المناشير والدوريات الوزيرية([1]) التي فعلت مقتضيات أنظمة البناء والطرقات التي وضعت منذ عدة عقود لبعض البلديات والمراكز المحددة ؛ إذ أقحمت في الملف وثائق إثبات الملكية (الإدلاء بشهادة الملكية وبوثيقة تحمل توقيع المالك إذا لم يكن هو طالب الرخصة).
وقد كانت هناك، ومن خلال بعض الدوريات الأخرى، محاولة للتخفيف من هذه المراقبة من جهة، تسهيلا لمأمورية الساكنة القروية خصوصا، ومن جهة أخرى، للسماح، في كل حالات البناء، بعدم الإدلاء بكافة الوثائق المطلوبة أثناء إيداع طلب الترخيص ليتم الإدلاء بالباقي منها عندما تطلبها الجماعة، وذلك قبل تسليم المستندات الحاملة لعبارة "غير قابلة للتغير".
وفي نفس السياق، ولرفع الحرج على الإدارة المختصة، بدا للوزارة المكلفة بالتعمير أنه من المفيد إصدار تعليمات للإحجام عن مراقبة الجانب العقاري حين البت في الطلبات. وللتأكد من صواب الإجراء الذي ستتخذه في هذا الباب، بادرت -كما هو معمول به- إلى استشارة الأمانة العامة للحكومة سنة 2003 بقصد استصدار فتوى في الموضوع.
وقد جاءت هذه الفتوى بتاريخ 28 مايو 2003 تحت عدد 2900، حول ما إذا كانت الوكالات الحضرية مختصة بل مجبرة، حين تحال عليها طلبات رخص إحداث التجزئات العقارية والمجموعات السكنية والبناء، على فحص الجانب العقاري أم لا، لتجيب بالنفي حاسمة الجدل نسبيا بهذا الخصوص، حيث أفادت بوجوب الاقتصار حين دراسة الطلبات على الجانب التعميري والتقني فقط وترك الجانب العقاري في هاته المشاريع للجماعات المعنية المختصة في الموضوع للنظر فيه.
« Il est vrai que le contrôle de la qualité du pétitionnaire est un élément constitutif du dossier qui doit être examiné en premier lieu avant d’entamer l’aspect technique mais cet examen ne doit pas dépasser le cadre formel sans approfondir outre mesure ladite qualité car la commune n’a pas pour rôle d’examiner les litiges fonciers ou les servitudes d’ordre privé qui grèvent une propriété mais doit surseoir à statuer lorsque la propriété du pétitionnaire est suspecte et contestée. »
""Au demeurant, les actes administratifs individuels sont pris en principe sous réserve des droits des tiers. L’acte administratif ne peut avoir de conséquences sur l’existence ou l’étendue de droits privés. (cons. D’Etat 22 mars 1912). De même, le permis de construire ne saurait dispenser son titulaire de respecter les obligations légales établies pour la contiguïté…"
وتختم هذه الفتوى كما يلي:
......"En revanche, les agences urbaines dont la principale compétence dans ce domaine est de donner un avis technique autorisé, doivent être cantonnées dans un examen des projets du point de vue urbanistique et technique et ce conformément à la législation et à la réglementation en vigueur en la matière. "
لكن، مع ذلك يمكن التساؤل عما إذا كان رأي الأمانة العامة للحكومة سيأتي على هذا النحو لو لم يكن أحد المناشير الوزيرية الآنفة الذكر، والذي أشارت إليه في تحليلها، قد نص على ضرورة الإدلاء بشهادة الملكية وبوثيقة تحمل توقيع المالك إذا لم يكن هو طالب الرخصة.
فإذا كان هذا الموقف هو السائد في ممارستنا الإدارية بالمغرب فما هو يا ترى موقف القانون المقارن والقضاء من هذه المسألة.
1- القانون المقارن
فبالرجوع إلى التشريع المصري نجد مقتضى لا مثيل له في تشريعنا الوطني يتجلى في المادة 10 من القانون رقم 106 لسنة 1976 في شأن توجيه وتنظيم أعمال البناء التي تنص على ما يلي:
"يكون طالب الترخيص مسئولا عما يقدمه من بيانات متعلقة بملكية الأرض المبنية في طلب الترخيص.
وفي جميع الأحوال لا يترتب على منح الترخيص أو تجديده أي مساس بحقوق ذوي الشأن المتعلقة بهذه الأرض''.
وهذا المقتضى يدعم إذن التوجه المراد العمل على اعتماده في ممارستنا بالمغرب.
2- موقف القضاء
أما فيما يتعلق بالقضاء، فهناك اجتهاد قضائي وافر يتناول الموضوع سواء ببلادنا أو في بلدان أخرى كمصر وفرنسا وبلجيكا، على سبيل المثال.
أ- القضاء المغربي
بالرغم من أن القضاء المغربي لم يتصد سوى لعدد قليل نسبيا من القضايا المتعلقة بالتعمير وخصوصا منها قضايا الإلغاء، نسجل أن المحاكم الإدارية قد نظرت في بعض النوازل بمختلف جهات المملكة يستفاد منها أنها تزكى طرح إدارة التعمير. وأغلب هذه الأحكام القضائية واردة في بحث للسيد الشريف البقالي([2]).
وهكذا، نسجل أن المحاكم الإدارية في العديد من الأحكام تعتبر أن الإدارة لا يجوز لها بناء قرارها برفض طلبات الترخيص أو سحبها، على الجوانب العقارية للمشاريع المراد إنجازها وخصوصا على النزاعات القائمة بشأنها، لأن الحسم في هذه الأمور، التي ترجع إلى القانون الخاص وليس لقانون التعمير، هو من اختصاص المحاكم العادية وأن القرارات التي لا تراعي هذا المبدأ متسمة بالشطط في استعمال السلطة ويتحتم بالتالي إلغاؤها. ويبدو أن هذا المنحى منطقي ولا سيما إذا ما اعتبرنا أن الإدارة عليها أن تلزم دائما جانب الحياد في تدبيرها للشأن العام.
ففي نزاع حول بقعة أرضية أقيمت عليها مطحنة ببركان صدر حكم للمحكمة الإدارية بوجدة([3]) يعتبر أن وجود نزاع حول هذه البقعة لا يؤثر على سلامة قرار الترخيص بإحداثها. ونقرأ في حيثيات الحكم :
"وحيث يعيب الطاعنان على القرار أنه رخص للسيد... لاستغلال مطحنة للحبوب أقيمت فوق أرضهما.
لكن حيث إن السبب المعتمد عليه يعد غير وجيه على اعتبار أن الترخيص باستغلال المطحنة الممنوح للسيد... سلم لهذا الأخير دون تحديد البقعة الواجب إنشاء المطحنة فوقها بل اقتصر على ذكر اسم المرخص له والجماعة التي ينتمي إليها وعنوانه.
وحيث أن الترخيص للسيد... في استغلال مطحنة الحبوب لا يحول دون مقاضاته أمام الجهة المختصة من طرف الطاعنين إذا رأى هذان الأخيران أن لهما حقا على الجزء من القطعة الأرضية المقام عليه المطحنة.
وحيث إنه وتبعا لما ذكر يكون القرار المطعون فيه غير مشوب بأي عيب مما يستوجب رفض الطعن الموجه ضده."
وفي حكم للمحكمة الإدارية بالرباط في قضية الشركة العقارية المالية والسياحة "هيوفيطيل"([4]) نقرأ ما يلي :
"وحيث إنه من الثابت أن الطاعنة التي تقدمت بطلب الحصول على رخصة بناء عمارة بالأرض المذكورة قد أدلت بجميع الوثائق والمستندات الضرورية التي يتطلبها قانون التعمير، وحيث أن تمسك الجماعة الحضرية بسيدي بليوط بعدم أحقيتها في الحصول على رخصة البناء بعلة وجود تقييد احتياطي على العقار المذكور لفائدة الغير لا يرتكز على أساس، ذلك أن وجود التقييد الاحتياطي المذكور ليس من شأنه أن يحول بين المالك المسجل على الرسم العقاري وبين ممارسة جميع التصرفات بما في ذلك التفويت لحق ملكية فضلا عن طرق الاستغلال التي يراها مناسبة لوضعية عقارية ؛
"وحيث يستنتج من كل ما سبق أن المقرر المطعون فيه برفض منح رخصة البناء للعلة المشار إليها يكون متسما بالشطط في استعمال السلطة ويتحتم بالتالي إلغاؤه".
وفي قضية السيد أحمد ناويس ضد المجلس البلدي بوالذهب- آسفي في شخص رئيسه"
... حيث أن الدعوى ترمي إلى الطعن بالإلغاء لتجاوز السلطة ضد القرار الصادر عن رئيس المجلس البلدي لآسفي أبو الذهب بتاريخ 18/12/1997 تحت عدد 3194 القاضي بسحب مقرر الترخيص بالبناء الممنوح للطاعن بتاريخ 5/11/1996 تحت عدد 193/96 وذلك إلى حين البت في النزاع القائم بينه وبين الصيدلية للسيدة البوعمري سمية.
" لكن رغم أن من الثابت من القرار المطعون فيه، أنه استند من بين ما استند إليه في تعليله على معطيات قانون التعمير... فإنه ليس من اختصاص لا العامل ولا رئيس المجلس البلدي التدخل في النزاع القائم بين المكري والمكترية لأنه إنما هو فصل في منازعة تخرج عن دائرة اختصاصهما وتدخل في اختصاص القضاء الذي على كل واحد من طرفي النزاع الالتجاء إليه لحماية مصالحه.
وفي حكم للمحكمة الإدارية بمراكش([5]) نجد ما يلي :
''حيث عللت جهة الإدارة مقررها الإداري المطلوب إلغاؤه القاضي بتأجيل منح رخصة البناء للطاعن بضرورة تقديم شهادة من المحافظة العقارية تثبت عدم التعرض وتسوية وضعية الملك المضروب بالتصفيف.
'' لكن حيث إن مقتضيات القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير لم تبين الجهة التي لها الحق في طلب رخصة البناء، وعليه فإن هذا الطلب يمكن أن يصدر عن مالك العقار أو من أي شخص يبرر توفره على حق يؤهله بناء العقار كصاحب عقد شراء - كما هو الشأن في هذه النازلة- وبالتالي فإنه ليس من اختصاص الإدارة المختصة بتسليم رخصة البناء التأكد مما إذا كان طالب الرخصة هو المالك الحقيقي للعقار المزمع بناؤه ومطالبته بتقديم شهادة من المحافظة العقارية تثبت عدم التعرض– كما وقع في نازلة الحالة لتقدير أحقيته في تملك العقار لأن ذلك يعود الاختصاص فيه للمحاكم العادية.
'' وحيث إن مجلس الدولة الفرنسي كرس هذا الاتجاه في العديد من قراراته نذكر منها على سبيل المثال الصادر بتاريخ 20 أكتوبر 1995 والذي جاء فيه:
« Il n’appartient pas à l’autorité administrative de s’immiscer dans un litige d’ordre privé. Elle ne peut ni trancher ce litige ni se fonder sur son existence pour refuser d’examiner la demande ». (CE Guerin Rec Lebon. Page 537.)
وحيث إنه تأسيسا على ما ذكر يكون المقرر المطعون فيه موسوما بالتجاوز في استعمال السلطة لعدم تأسيسه على سبب مشروع، ومن تم يتعين الحكم بإلغائه.''
ونجد نفس الاتجاه في الحكم الذي أصدرته المحكمة الإدارية بالرباط التي ألغت قرار رفض رئيس جماعة مولاي بوسلهام منح رخصة البناء فوق العقار بسبب وجود نزاع بين الطاعن وشخص آخر حول القطعة الأرضية المراد البناء فوقها، بينما حسمت محكمة الاستئناف بالقنيطرة النزاع لفائدة الطاعن بموجب قرار نهائي صادر بتاريخ 2/7/1997 فيما لم يصدر القرار المطعون فيه إلا بتاريخ 3/2/2000 في الملف عدد 145/99 غ.
ب- الفقه والقضاء الفرنسيين
أما مجلس الدولة الفرنسي، فقد أقر من خلال التقرير الذي أنجزه سنة 1993- قانون التعمير من أجل قانون أكثر فعالية- بهذا المعطى ودعا لتجاوزه، حيث وضح بهذا الخصوص على أنه:
"وعلى العموم فإن رخص التعمير لا تأخذ بعين الاعتبار ولا تمس قضايا القانون الخاص التي تفلت كليا من قانون التعمير، فبتطبيق نظرية –المالك الظاهر- فإن الرخص الفردية الممنوحة في ميدان التعمير لا تعني من حيث المبدأ الاعتراف بحق الملكية لفائدة المستفيدين من الرخصة. فهي لا تكون طرفا في علاقات الجوار."
ويضيف مجلس الدولة:
" فالفصل بين هذين النوعين من القواعد القانونية يستند على مبررات طويلة لعل من أهمها كون قضايا الملكية تبقى ضمن دائرة العلاقات بين الخواص. ومن تم فإنه يصبح غير مرغوب فيه أن تتدخل الإدارة في هذه النوعية من القضايا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هناك استحالة مادية بالنسبة للمصالح الإدارية المكلفة بتسليم رخص التعمير أن تتأكد في فترة وجيزة – أي المدة التي يحددها القانون لتسليم هذه الرخصة – من الحقوق والالتزامات التي تعتبر قضايا جوهرية. فالتراجع عن هذا التمييز يمس أهم المبادئ التي تحكم حق الملكية "
وهذا الرأي هو ما قد تبناه قضاء مجلس الدولة الفرنسي في العديد من الأحكام لعل من أهمها حكم مبدأ - lep p 537-Guerin Guerin - Octobre 1965 20 CE، الذي سبق أن أشار إليه حكم المحكمة الادارية بمراكش المذكور أعلاه.
وهكذا، وفي سبيل تحرير الإدارة من عبء النظر في الجانب العقاري حين النظر في طلبات الترخيص، خصوصا في رخص البناء، اتبع القضاء الفرنسي نظرية –المالك الظاهر- فحسب هذه النظرية يكون المالك الظاهر هو الشخص الذي بإمكانه أن يتقدم بأي وثيقة تمنحه هذه الصفة، بحيث على الإدارة أن تمتنع بهذا الخصوص عن تنصيب نفسها كقاضي مدني بل إنه يمكن للإدارة أن تكتفي فقط بتصريح طالب الرخصة ما لم تتوفر لديها معلومات مغايرة –CE 18, 5, 1998 –.
وفي هذه الحالة يمكن إلغاء رخصة البناء المسلمة بناء على تصريح غير صحيح. غير أن إعمال هذه النظرية مرتبط بتحقق مجموعة من الشروط من بينها :
- غياب معرفة الإدارة بمخاصمة مبنية على أساس لحق الملكية ؛
- وجود حد أدنى لحق الملكية ؛
- عدم تقديم ملف يتضمن وثائق مغشوشة وغير صحيحة.
وفي هذا الباب سبق لمجلس الدولة الفرنسي أن ألغى رخصة بناء مسلمة لطالبها على ملف يتضمن وثائق مغلوطة بشكل لا يمكن معه للإدارة النظر إليه كمالك.
ج- القضاء المصري
وفيما يتعلق بالقضاء المصري، فموقف المحكمة الإدارية العليا المصرية([6]) موقف مماثل حيث جاء في أحد أحكامها :
"على أن الترخيص في حقيقته إنما يستهدف أصلا مطابقة البناء وتصميمه بأحكام واشتراطات تنظيم المباني ومخططات المدن وما يقترن بذلك من الأصول والقواعد الفنية ولا ينال من حقوق ذوي الشأن المتعلقة بالملكية والتي لم يشرع الترخيص بإثباتها. ويبقى دوما لكل صاحب حق رغم صدور الترخيص أن يلتمس من الوسائل والإجراءات القانونية لدى جهات الاختصاص ما يؤكد به حقه ويذوذ عنه. ومن تم فلا مدعاة إلى أن تستغرق جهة الترخيص في تحري أسباب الملكية ومستنداتها من كل طالب على نحو تستطيل معه إجراءات الفحص في كل حالة فيستعصي إصدار الترخيص بالسرعة المتطلبة."
د- القضاء البلجيكي
وأما القضاء البلجيكي فلم يخرج هو الآخر عن النهج المتبع من طرف مثيله الفرنسي حيث أقر مجلس الدولة ما يلي :
« Lorsque l’autorité compétente se prononce sur une demande de permis de bâtir, elle n’intervient pas comme juge pour constater si le demandeur a ou non un droit subjectif d’ériger une construction sur son terrain, mais bien comme autorité administrative pour décider, par l’octroi ou le refus du permis de bâtir, si une modalité déterminée de ce droit est ou non compatible avec les intérêts publics sur lesquels elle est chargée de veiller en vertu de la loi »([7] ).
"Attendu (toutefois) que la défenderesse se trompe dans son analyse de la notion de permis de bâtir ; une telle autorisation ne signifie pas que telle personne peut ériger des constructions, mais que telle construction est autorisée ; que le permis porte sur des travaux et ne constitue pas une autorisation individuelle ; qu’il en est tellement bien ainsi que le permis peut être cédé. »
وقد سبق لمحكمة الاستئناف لبروكسيل أن حكمت في نفس الاتجاه عشر سنوات من قبل، مقرة بما يلي:
« La qualité du droit de celui qui introduit une demande de bâtir est indifférente dès lors que la loi ne tient pas compte de questions de propriété, mais est inspirée par des buts essentiellement urbanistiques ».
فإذا كان الأمر محسوما فيه من خلال الاجتهاد القضائي، فإن النصوص التشريعية المعمول بها حاليا لازالت تعاني من فراغ بهذا الخصوص ولا سيما في جانب البناء عندنا، فما هو الوضع يا ترى بالنسبة للتجزئة العقارية؟
ثانيا- تحليل وضعية طلبات رخص إحداث التجزئات العقارية
خلافا لرخصة البناء التي لم يحدد لها القانون رقم 90-12 المتعلق بالتعمير ولا المرسوم الصادر لتطبيقه أي شرط ذا طابع عقاري لقبول طلبها ولا لتسليمها، فالقانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والمرسوم الصادر لتطبيقه حددا شرطا لا يقبل طلب رخصة التجزئة إلا بتوفره.
وفعلا، فقد نصت المادة 5 من القانون رقم 90-25 على ما يلي:
"لا يقبل طلب التجزئة المنصوص عليه في المادة 4 أعلاه إذا كانت الأرض المراد تجزئتها ليست محفظة ولا بصدد التحفيظ، ولا يكون الطلب مقبولا إذا تعلق الأمر بأرض بصدد التحفيظ إلا إذا كان الأجل المحدد لتقديم التعرضات على التحفيظ قد انصرم دون تقديم أي تعرض على تحفيظ العقار المراد تجزئته."
أما المرسوم الآنف الذكر([8])، فقد اشترط على "صاحب الشأن" - وليس على مالك الأرض المراد تجزئتها- الإدلاء بشهادة يسلمها المحافظ على الأملاك العقارية تثبت أن الشرط الآنف الذكر متوفر، وجعل هذه الشهادة من بين وثائق الملف الذي لا يقبل من طرف الجماعة إلا بتوفر كل وثائقه.
ويستنتج مما سلف ما يلي:
- أن الأراضي غير المحفظة والتي بصدد التحفيظ، إذا لم تتجاوز مرحلة معينة، أصبحت - منذ صدور القانون رقم 90-25- ليس فقط غير قابلة للتجزئ، بل أكثر من ذلك لا تقبل حتى طلبات دراستها. وهذا معناه أن الجزء الأكبر من الرصيد العقاري المغربي من أراضي موضوع ملكيات وظهائر خليفية أو هبات ملكية وأراضي بيضاء وأراضي الحبوس والجموع وغيرها، لا يمكن الاستثمار فيها عن طريق التجزيء أو إحداث مجموعة سكنية بمفهوم القانون؛
- ما يطبق على إحداث التجزئة العقارية يسري على بناء المجموعات السكنية عملا بأحكام القانون رقم القانون رقم 90-25 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات (المادة 57) ؛
- تستثنى من هذا المنع التجمعات العمرانية القروية المزودة بتصميم تنمية عملا بأحكام الظهير الشريف 063-60-1 بتاريخ 25 يونيو 1960 المتعلق بتنمية التجمعات العمرانية القروية (المادة 77 من القانون رقم القانون رقم 90-25 ) ؛
- يجوز لمنعش عقاري الحصول على رخصة تجزئة أرض ليست ملكا له في بعض الحالات، مثلا في حالة تمتعه بحق انتفاع أو كرائه لها كراء طويل الأمد، مع العلم أن التجزئة تكون لعدة أغراض (سكن، سياحة، صناعة، تجارة، صناعة تقليدية) ؛
- خلافا لما سلف ذكره بخصوص رخص البناء، فالموقف الذي على الإدارة أن تتخذه بخصوص طلب رخصة إحداث التجزئة واضح لا غبار عليه.
لكن، بالرغم من ذلك، فإن السؤال التالي يفرض نفسه بإلحاح : إذا فرضنا أن شرط التحفيظ المطلوب متوفر والطلب مقبول، ماذا سيكون مآله في حالة اكتشاف أن الرسم العقاري يتضمن تقييدا احتياطيا أو رهنا أو ارتفاقا كارتفاق المرور أو حجزا أو غير ذلك من الضمانات والحقوق؟ وبما أن الإدارة ملزمة بتعليل قراراتها السلبية، فهل هي مؤهلة أن ترفض تسليم الرخصة أو حتى تأجيل البت فيها لهذا السبب وحده أم أنها ملزمة بالاقتصار، كما هو معمول به في البناء، على مراقبة الجانب التعميري فقط ؟
ففي نظرنا المتواضع يبدو من اللازم أن تتبنى الإدارة نفس الموقف المفروض تبنيه حين البت في طلبات رخص البناء ولنفس الاعتبارات، بالرغم من أن ذلك قد يتضرر منه المستفيد من الرخصة والأغيار. وما على المستثمرين إلا القيام بدراسة الجدوى والاحتياط بالاستشارة اللازمة.
1- الممارسة الإدارية والمواقف القائمة
لقد ترتب عن الوضعية القانونية المفصلة أعلاه، وخصوصا منذ التسعينات، تراجع العقارات الممكن تعبئتها عمرانيا في عدد من جهات المملكة، شمالها وجنوبها ووسطها (الحسيمة- أزيلال...) مما يؤثر على السوق العقارية ويشجع على المضاربة الضارة ويعرقل التنمية العمرانية. وقد أفضى هذا إلى تكون وجهات نظر مختلفة بل متعارضة داخل الإدارة، منها من يدافع عن الفصل بين التعمير والتحفيظ ومنها من لا يزال يتشبث بالربط بين هذين الموضوعين. وكان بودنا الوقوف على مواقف خارج الإدارة من محاكم وأساتذة أجلاء كثيرين للمساهمة في الفصل بين أصحاب الآراء المتعارضة. غير أن هذا الأمر لم يتعرض له حسب علمنا المتواضع سوى عدد قليل من الباحثين.
أ- وجهة نظر المدافعين عن الفصل بين التعمير والتحفيظ
هناك من يعتقد أن لا شيء يجعلنا في الوقت الراهن نطمئن على أن الوضعية قابلة للتحسن، بالرغم من كل ما نشهده من تحركات ونسمعه من توصيات ووعود في كثير من الندوات والمناسبات ولاسيما ونحن على مشارف الذكرى المئوية للتحفيظ العقاري.
وقد تمعنت هذه الفئة في الكيفية التي أصبح بها شرط التحفيظ عقبة أمام إنجاز التجزئات العقارية ووقفوا على أن هذا الشرط الصارم لم يكن في ظل ظهير 30 شتنبر1953 المتعلق بتجزيء الأراضي وتقسيمها(الذي حل محله القانون رقم 90-25 المعمول به حاليا)، مطلوبا من جهة، وأن الوضعية على صعيد إدارة المحافظة العقارية كانت مخالفة لما هي عليه اليوم من جهة أخرى. إذ كل ما هناك أن المادة 6 من هذا الظهير كانت تنص على أن ملف الطلب تضاف إليه نفس الشهادة، لكن فقط، في المناطق الخاضعة لنظام التحفيظ والتي كانت محدودة حينئذ.
ومقابل الشكليات المفروضة على الأراضي الموجودة في المن&