الجزء الثاني: أهداف وتوجهات المدونة
إن المغرب يحتاج اليوم إلى مقتضيات قانونية في ميدان التعمير، ملائمة للحركية التي تعرفها مجالاته، ومتماشية مع النمو الاقتصادي لمختلف القطاعات الحيوية من صناعة وسياحة وعقار، وتمكن من بلورة تعمير يعتمد الإبداع والمرونة ويستجيب بشكل فوري وسريع للإشكاليات التي يطرحها المجال العمراني بكل ما يتميز به من غنى وتعقيد.
ويأتي مشروع مدونة التعمير لإرساء تصور ملائم للنمو الحضري وبناء ترسانة تقنية وقانونية فعالة، تعطي لمجالاتنا القدرة على التنافسية دون المساس بالمكتسبات.
إن الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين في الملتقى الوطني لانطلاق مشروع مدونة التعمير، تعتبر مرجعا أساسيا يحدد التوجهات الكبرى ويمهد الطريق لـ :
- تأهيل التجمعات العمرانية يجعلها في مستوى استقبال واستقطاب الاستثمارات؛
- تطوير تقنيات جديدة في ميدان الإسكان تمكن من الاستجابة للحاجيات المتجددة للمواطنين؛
- الحفاظ على التراث المعماري سواء في أبعاده الوطنية أو خصوصياته الجهوية والمحلية؛
- ترسيخ مبادئ الشفافية والمنافسة والحكامة الرشيدة؛
- إقرار العدالة العقارية التي تضمن مساهمة كل الأطراف في تمويل عمليات التعمير؛
- الاستجابة لمتطلبات التنمية البشرية ومحاربة الفقر والحد من الخصاص في الميدان الاجتماعي؛
- الأخذ بعين الاعتبار خيارات المخطط الوطني لإعداد التراب والتوجهات المقررة على ضوء تنوع مجالاتنا الترابية.
ويمكن تقديم التوجيهات التي تضمنتها الرسالة الملكية في أربعة محاور:
I. التخطيط وتأهيل المجال:
إن مساهمة قطاع التعمير في وضع إطار مرجعي للتنمية المستديمة وتأهيل المجال الوطني، سواء بالمدن أو بالأرياف، مع التوفيق بين متطلبات الحداثة والحفاظ على الهوية الـوطنية والخصوصيات الجهوية والمحلية بالإضافة إلى ترشيد الموارد، يتطلب اتخاذ التدابير التالية:
1. اعتماد إجراءات عملية تهدف إلى:
- استحداث أشكال جديدة لعمليات التهيئة (التهيئة التشاورية، التهيئة التفاوضية...)؛
- تفضيل مقاربة "المشروع الحضري" على التقيد بالشكليات المسطرية؛
- تيسير عمليات التأهيل والتجديد الحضريين؛
- تأطير إحداث مجالات حضرية جديدة؛
- توسيع وتدعيم الحوار والتشاور مع المجتمع المدني.
2. احترام التوازنات البيئية وذلك بهدف:
- اعتبار التنمية المستديمة أساس كل عملية تهيئة وذلك عبر ترشيد استهلاك المجال واستغلال الثروات الطبيعية والبيئية؛
- إدماج الأنسجة القائمة مع محيطها البيئي؛
- إخضاع عمليات التعمير الكبرى لمنظور بيئي متكامل؛
- تحديد وحصر المجالات والمواقع والمشاهد الطبيعية ذات الأهمية الخاصة التي يتعين حمايتها وإعادة الاعتبار لها.
3. ترشيد وعقلنة وسائل التدخل في الأنسجة القائمة وعند إحداث تكتلات عمرانية جديدة.
4. إبراز الهوية الوطنية والارتقاء بالتراث الطبيعي والثقافي بالحرص أساسا على:
- وضع تدابير تمكن من الحفاظ على التراث الطبيعي والعمراني والمعماري وحمايته من التشوه والاندثار؛
- القطيعة مع أساليب التنميط؛
- اعتبار التقاليد المحلية للتعمير.
II. تعمير "منصف" وتشاوري، يساهم فيه الجميع:
إن تحقيق مدينة فعالة وتنافسية يتطلب حكامة حضرية محكمة، قوامها المسؤولية والشفافية والتحفيز واستشراف المستقبل وهذا يستوجب، لا محالة، اتخاذ التدابير التالية:
1. تأسيس تعمير يساهم فيه الجميع ويمنح المواطن حق المشاركة الفعلية في إعداد السياسات العامة ويمكنه من التفاعل والتأثير في اتخاذ القرارات وبلورة التوجهات المتعلقة بالتهيئة والتعمير؛
2. تعزيز تدخل الجماعات المحلية في إطار لامركزية متجددة وفعالة، بإعطائها مسؤوليات واضحة ومحددة؛
3. تحديد اختصاصات ومسؤوليات مختلف المتدخلين؛
4. تحفيز التمازج الحضري والاجتماعي من الناحية الوظيفية والشكلية، عن طريق:
- تأهيل الأنسجة المتدهورة، بشكل يشجع اندماجها داخل محيطها الحضري ويمكنها من التكامل معه؛
- الاستشراف فيما يخص جوانب التنمية الاجتماعية؛
- إدماج التجمعات القروية وفك العزلة عنها.
III. تعمير في خدمة المواطن:
إن مصالحة المواطن مع محيطه المعيش، مرتبط أساسا بضمان سلامة المباني وجودتها، وبتشجيع المبادرات الفردية والجماعية، إضافة إلى تلبية حاجيات مختلف فئات المجتمع ولاسيما ذات الاحتياجات الخاصة. وهذا يستوجب:
1. مرونة في قوانين التعمير، تحدد واجبات المواطن وتضمن له حقوقه؛
2. تحديد المسؤوليات في ميدان التدبير الحضري مع حسن توزيعها؛
3. إعادة الاعتبار لهيبة القانون باعتماد نظام ملائم وفعال للمراقبة وزجر المخالفات.
IV. تعمير تحفيزي:
فضلا عن كون التعمير أداة لتجسيد وتنفيذ السياسات الحكومية، ينبغي له أن يلعب أيضا دور المحفز على الاستثمار، بمواكبة النمو الاقتصادي والاجتماعي للتكتلات العمرانية كي تلعب دورها الأساسي في خلق الثروة في إطار تنمية مستديمة. ومن أجل ذلك لا مناص للتعمير من أن:
1. يوفر إطارا مرنا وقادرا على التفاعل من خلال نهج التدبير عن قرب ووضع آليات لتأطير المشاريع الاستثمارية.
2. يشجع المبادرة الخاصة ويؤطرها من خلال:
- وضع آليات للمساهمة والمعاوضة في تكاليف التعمير وكذا لمواكبة عمليات الإنجاز؛
- اقتراح أشكال للشراكة بين القطاعين العام والخاص في ميدان تعزيز المشاريع الحضرية.
3. يشجع الأنشطة الاقتصادية المدرة للدخل القار والمحفزة على التشغيل، في إطار التخطيط والتهيئة الحضريين، وذلك عبر اتخاذ تدابير مالية وعقارية ومجالية... الخ.
4. يرسخ الاحترافية في قطاع التعمير ويطور التخصص في ميدان التنمية الحضرية.
إن الهدف الأساس من مشروع المدونة هو إيجاد الحلول الملائمة والمستديمة لإشكاليات التخطيط والتدبير الحضريين ومتابعة بناء تكتلات ذات قدرة تنافسية، وتأهيل مجالاتنا عبر تنمية محكمة التخطيط ومستديمة، توافق بين الحداثة والارتقاء بالهوية الوطنية وبالخصوصيات الجهوية والمحلية.