الجزء الأول: السياق العام
I. بيــان الأسبــاب:
لقد أثبتت التجربة والممارسة الميدانية محدودية التشريعات المعمول بها في ميدان التعمير، في ضبط النمو المجالي والاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية، فهي لا تواكب مبدأ اللامركزية واللاتركيز الإداري، ولا تستجيب لمتطلبات الاستثمار وللاحتياجات الخاصة لبعض فئات المجتمع.
فالتشريعات القائمة لا تمكن من إيجاد حلول للمشاكل الكبرى التي تعرفها التكتلات العمرانية فحسب، بل تزيد من حدتها بسبب التثاقل والجمود الذين يميزان هذه القوانين والتنظيمات التي لم تعد تتماشى والتغييرات المتسارعة التي يشهدها المجال.
لذا، ولمعالجة الاختلالات الاجتماعية والمجالية المتجلية في تعمير "غير منظم"، مع كل ما يحمله هذا التعبير من معاني التمييز والإقصاء الاجتماعي والمجالي وتفشي البطالة والانحراف وكل مظاهر ضعف الاندماج، صار جليا أن تنظيم مجالاتنا يتطلب وسائل وآليات ومقاربات جديدة في ميدان التخطيط والتدبير الحضريين.
ولقد أضحى من اللازم، في ظل التحولات التي يعرفها السياق الوطني والدولي، مقاربة التعمير عبر جوانبه الاقتصادية والمالية وخاصة الاجتماعية. ثم إن القواعد القانونية للتعمير يجب أن لا تستمد مبادئها من المساطر الإدارية فحسب، بل كذلك من خلال الآليات المتحكمة في سيرورة التحولات التي يعرفها المجتمع.
ومن جهة أخرى، فغياب تدوين تراتبي وموضوعاتي لمجموع النصوص القانونية المتعلقة بالتعمير والإسكان والبناء، يجعل معظم المتدخلين يواجهون حالات من التناقض والالتباس، مما يجعل تدبير هذا القطاع صعبا على مستوى الممارسة، حيث نجد كثيرا من التدابير القانونية المرتبطة بالتعمير، متداخلة مع نصوص متناثرة، تخص ميادين عديدة يصعب كشف علاقتها بالتدبير الحضري.
وفي هذا السياق، جاءت الرسالة الملكية السالفة الذكر لتؤكد على ضرورة اعتماد إطار قانوني جديد: "... وتعزيزا للمجهودات التي تقوم بها حكومتنا، فقد أضحى من اللازم الانكباب على مراجعة وتحديث منظومة التعمير الجاري بها العمل في بلادنا، والتي وإن عرفت بعض الإصلاحات في العقدين الماضيين، فإنها ظلت محدودة. وما زالت بعض تشريعاتها ترجع إلى بداية القرن الماضي". كما أوضحت الغاية من الإصلاحات التشريعية المنشودة: "... غايتنا المثلى جعلها تواكب الحركة العمرانية، التي تعرفها المملكة، وتساير وتيرة تنمية العديد من القطاعات الحيوية، ذات الأبعاد الاستثمارية والصناعية، والسياحية والسكنية".
وبينت الرسالة الملكية كذلك الملائمة الظرفية لهذا المشروع في ظل: "... الانفتاح الذي تعرفه المملكة، وانخراطها في مناخ العولمة، وما يفرضه ذلك من تقوية لقدراتنا التنافسية". كما أكدت على أن التفكير في هذا التعديل يندرج في: "... سياق تعزيز الأوراش الإصلاحية الكبرى، التي تعرفها بلادنا في شتى المجالات، وفي قطاع الإسكان والتعمير".
فالمشروع الجديد للمدونة لن يقتصر على تقويم المقتضيات القانونية التي لا تتلاءم مع الواقع فحسب، بل عليه أن يأخذ كذلك بعين الاعتبار متابعة الأوراش الإصلاحية الكبرى التي اعتمدتها الدولة، ونخص منها بالذكر:
- إحداث المجلس الأعلى لإعداد التراب الوطني والمصادقة على الميثاق الوطني لإعداد التراب.
- تدعيم اللامركزية واللاتركيز الإداري؛
- صدور الميثاق الجماعي الجديد؛
- تبني مبدأ "وحدة المدينة" كاختيار سياسي ومؤسساتي رئيسي في منظومة تأهيل المدن؛
- اعتماد التدبير اللامركزي للاستثمارات؛
- تشجيع عرض السكن الاجتماعي لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود؛
- تحقيق برامج كبرى، خاصة تلك التي تندرج في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والتي تروم تحسين إطار عيش المواطن.
إن إعداد مدونة جديدة للتعمير، فرضته ضرورة معالجة الاختلالات القانونية الحالية على مستوى النص والتطبيق، وتحديث الترسانة القانونية حتى تواكب التحديات الراهنة لبلادنا.
II. واقع الحــال:
بدأ اهتمام السلطات العمومية بالنمو الحضري منذ الحقبة الأولى من القرن الماضي، حيث تم إصدار ومراجعة عدة تشريعات بهذا الخصوص، كلما دعت الحاجة أو استجدت ظروف تحتم ذلك.
* النصوص القانونية المعمول بها حاليا في قطاع التعمير والإسكان:
- القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير؛
- القانون رقم 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات؛
- الظهير 25 الصادر بتاريخ يونيو 1960 يتعلق بتنمية التكتلات القروية؛
- المرسوم 26 الصادر بتاريخ دجنبر 1964 المحدد لمناطق السكن الاقتصادي والمصادق بموجبه على الضابطة العامة للبناء المطبقة بهذه المناطق.
* مشاريع قوانين تم إعدادها ولم يصادق عليها بعد:
- مشروع قانون رقم 04- 04 يقضي بسن أحكام تتعلق بالسكنى والتعمير؛
- مشروع قانون رقم 42-00 متعلق بتأهيل العمران؛
- مشروع مرسوم متعلق بالمصادقة على الضابطة العامة للبناء الخاص بالسكن الاجتماعي.
إن النصوص القانونية المعمول بها حاليا مكنت السلطات العمومية، على سبيل المثال، من :
- إقرار شبكة مدن متميزة؛
- تأطير النمو الحضري للتكتلات العمرانية الكبرى؛
- نشـاء الـمـلك العمومي والمحـافظة عليه (الشبكة الطرقية، الأحزمة الخضراء ...الخ.)؛
- تحصين المكتسبات في ميدان التراث العمراني...
إلا أن معاينة الحالة الراهنة لواقع التكتلات العمرانية، تبدي واقعا عمرانيا معقدا يدعو للقلق على أكثر من صعيد. ويمكن معاينة هذه الحالة من خلال معطيات مختلفة تتعلق بالجوانب الديموغرافية والمؤسساتية والقانونية والعقارية والمالية:
1. المعطيات الديموغرافية:
حسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2004، يمكن استخلاص ما يلي:
- بلغ عدد سكان المغرب29,89 مليون نسمة؛
بلغ معدل النمو الديمغرافي السنوي 1,7%؛-
- يمثل السكان الحضريون %55,1 من مجموع السكان؛
- %60 من مجموع السكان يستقرون في مثلث الدار البيضاء- فاس-القنيطرة؛
- أزيد من %50من السكان يقل سنهم عن 20 سنة؛
- %26,6 من الشباب حاملي الشهادات الجامعية عاطلون عن العمل؛
- ارتفاع في نسبة الفئة البالغة سن الرشد؛
- وجود فوارق ما بين الجهات وعدم توازن النمو الديمغرافي بين المجالين الحضري والقروي؛
- توزيع غير متوازن للسكان.
ويتبين من خلال تحليل هذه المعطيات:
- صعوبة التحكم في المجال العمراني؛
- حدوث تحولات كبيرة على المستوى الاجتماعي وأنظمة نشاط المجالات الحضرية والقروية؛
- ارتفاع الطلب على الشغل والسكن والتجهيزات.
سنة الإحصاء
الساكنة
معدل النمو
الحضرية
القروية
العامة
1960
3.389.613
8.236.857
11.626.470
1971
5.409.725
9.969.534
15.379.259
%2,8
1982
8.730.339
11.689.156
20.419.555
%2,6
1994
13.407.835
12.665.882
26.073.717
%2,1
2004
16.463.634
13.428.074
29.891.708
%1,4
مصدر: المندوبية السامية للتخطيط.
2. المستوى المؤسساتي:
عرف الجانب المؤسساتي تحولات إيجابية خلال السنوات الأخيرة، نخص منها بالذكر:
- تدعيم سياسة القرب؛
- تأسيس مفهوم جديد للسلطة بما يحمله من مضامين تخص تدعيم الحكامة وترشيد النفقات واستقطاب الاستثمارات وكذا أهمية دور والي الجهة...؛
- إحداث مؤسسات جديدة (المراكز الجهوية للاستثمار، الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ...)؛
- بروز المجتمع المدني كفاعل في التنمية الحضرية.
ومقابل هذه التحولات، نسجل بقاء بعض العوائق، نذكر منها:
- عدد الفاعلين وتداخل الاختصاصات وصعوبة التنسيق؛
- غياب رؤية شمولية وتشتت التدخلات القطاعية؛
- ضعف التشاور والمشاركة عند اتخاذ القرارات.
3. المستوى القانوني:
رغم المكتسبات التي تم تحقيقها على الصعيد القانوني، فإن هذا الجانب يعرف مجموعة من العوائق، نذكر منها:
- تقادم وعدم ملائمة بعض القواعد القانونية وتشتتها على نصوص متعددة؛
- جمود بعض المقتضيات التشريعية؛
- بطء وتعقد المساطر؛
- صعوبة تطبيق بعض المقتضيات المتعلقة بالتعمير بسبب:
* قلة الوسائل؛
* سوء استيعاب النصوص القانونية؛
* غياب المراسيم التطبيقية لبعض القوانين المعمول بها.
- عدم ملائمة الترسانة القانونية للمعطيات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة؛
- غياب وسائل التدخل داخل الأنسجة القائمة خصوصا منها غير القانونية أو الأنسجة ذات الطابع التاريخي والأركيولوجي، وكذا غياب التدابير المتعلقة بإنجاز عمليات التعمير الكبرى.
4. المستوى العقاري:
وفي هذا المجال، اتخذت مؤخرا بعض التدابير الإيجابية، نذكر منها:
- مشروع مراجعة القانون المتعلق بالتحفيظ العقاري؛
- مشروع القانون المتعلق بالحقوق العينية العقارية؛
- إحداث الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية؛
- تعبئة العقار العمومي لفائدة مشاريع التنمية الكبرى (السياحة، السكن، الصناعة، الخدمات ...).
وبالرغم مما سبق تحقيقه، ما تزال هناك بعض العراقيل تفرض نفسها بحدة، ومن بينها:
- تقلص الاحتياط العقاري التابع للدولة والجماعات المحلية؛
- تعقد الأنظمة العقارية وتعدد القوانين المنظمة لها؛
- الارتفاع المهول في قيمة العقار داخل المجال الحضري نتيجة غياب آليات ضبط السوق العقارية؛
- عدم ملائمة مساطر وآليات التعمير لتعدد الأنظمة العقارية وتعقيداتها.
5. المستوى المالي:
وإذا كنا على هذا الصعيد نسجل عدة مكتسبات كإحداث صندوق الحسن الثاني للتنمية وإنعاش الاستثمار وإشراك القطاع الخاص وتظافر التعاون الدولي، فإن بعض العوامل ما تزال تشكل عائقا في هذا المجال، كقلة الموارد المالية للدولة والجماعات المحلية وغياب آليات التمويل، وعدم تحويل القيمة المضافة للعقار التي تمنحها وثائق التعمير إلى عوامل للتنمية...
ومع وجود هذه العوامل كلها، فمن الطبيعي إذن أن نجد التجمعات العمرانية تشوبها بعض الاختلالات المرتبطة بالتنظيم المجالي والتخطيط الحضري:
اختلالات مرتبطة بالتنظيم المجالي:
- توسعات ضخمة للتكتلات العمرانية في غياب بنيات الاستقبال المتعلقة بالتجهيز والتشغيل؛
- تشتت المدينة وعدم انسجام مكوناتها الحضرية؛
- استعمال غير معقلن للأراضي وتردي المجالات الحضرية؛
- انتشار السكن غير اللائق وتدهور الأنسجة العتيقة وإطار العيش؛
- تعمير مناطق معرضة للأخطار؛
- ضعف التأطير وخصاص في آليات التدخل في العالم القروي؛
- تنميط الأنسجة الحضرية؛
- الفقدان التدريجي للمميزات والخصوصيات الجهوية والمحلية.
اختلالات مرتبطة بالتخطيط الحضري:
- عجز وثائق التعمير عن تدبير التهيئة المجالية وعن مصاحبة استراتيجيات التنمية الاجتماعية والاقتصادية؛
- ضعف تنفيذ توجهات وثائق التعمير على أرض الواقع بما فيها المرافق الاجتماعية والبنيات التحتية؛
- محدودية آليات تنفيذ مقتضيات وثائق التعمير؛
- غياب تفاعل حقيقي بين وثائق التعمير والمستجدات الاجتماعية والاقتصادية؛
- بطء وتعقـد مسطرة إعداد وتحيين ومراجعة وثائق التعمير؛
- كثرة اللجوء إلى الاستثناء وتحوله، في العديد من الحالات، إلى قاعدة.
إن تعقد وسرعة النمو الحضري تزيد من تفاقم هذه الاختلالات، فإذا كانت المدينة في السابق، محددة ومرتبطة بوظائف معينة، فقد أصبحت اليوم في انفتاح وتوسع مستمر لا تحكمه حدود.
فما هو، إذا، التوجه والمنهج الذين يجب اعتمادهما من أجل إنتاج وتنظيم وتدبير المجالين الحضري والقروي؟ وكيف ستكون المدينة مستقبلا؟ وكيف سيكون شكلها وحجمها؟ وما هي نوعية العلاقات التي ستنسجها بساكنيها؟
وبالنظر إلى العلاقة بين مستوى التجمعات العمرانية وقدرتها على إنتاج الثروة، فهل ينبغي الاستمرار في اتجاه تضخيم المدن الكبرى أو على العكس، ينبغي الحد من توسعها؟ فالنمو العمراني، إذا كان مصحوبا بنمو واندماج اقتصاديين، يصبح ورقة رابحة في حلبة المنافسة، والتنمية العالمية تتحقق، اليوم، قي "المتروبولات" أو المدن الكبرى.
فالتعمير كما يطبق اليوم في بلادنا، يقتصر على التخطيط للمجال وتحديد الإطار القانوني لتدبير ترخيصات البناء والتجزيء، دون أن يعير وسائل تحقيق الخيارات المجالية ما تستحقه من اهتمام.
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو إلى أي حد يمكن تقنين المجال وتنظيمه؟ وما هي حدود التخطيط والتقنين الحضري؟ وأي هامش يمكن تركه للواقعية والتفاعل المستمر مع المستجدات في إطار حكامة محلية؟
إنه وعلى الرغم من وجود ترسانة قانونية وتشريعية في ميدان التعمير، فإن النمو الحضري ما زالت تشوبه بعض الاختلالات الناتجة عن تداخل عدة عوامل، تتعلق بالأساس، بالنصوص القانونية في حد ذاتها وبسوء تطبيقها وبغياب بعض المقتضيات الملائمة.
III. مراحـل إعداد مدونـة التعميـر:
مدونة جديدة للتعمير، مطلب لطالما عبرت عنه شرائح عريضة من المهتمين. ولكي تتم فعلا الاستجابة لأكبر قدر من التطلعات، كان لزاما أن يكون إعداد المدونة موضوع مشاورات موسعة وعلى جميع الأصعدة. ومن هذا المنطلق، فإن هذا الإعداد يتم في إطار نظرة تشاركية تعتمد على التشاور والحوار، يساهم فيها جميع المتدخلين في هذا القطاع سواء على الصعيد المحلي أو الجهوي أو الوطني (الجماعات المحلية ومختلف القطاعات الوزارية المعنية والهيئات المهنية والمنظمات غير الحكومية ...الخ ).
ولقد شكل اللقاء الذي نظم بمناسبة إعطاء انطلاقة إعداد مشروع المدونة والذي جمع مختلف الفرقاء والمتدخلين في ميدان التعمير، مناسبة لعقد المشاورات الأولى. فالمناقشات التي عرفها الملتقى مكنت من جهة، من تشخيص الوضعية الراهنة، كما أتاحت من جهة أخرى، الفرصة لتحديد التوجهات الكبرى لمشروع المراجعة ووضع قواعد وآليات التشاور لإنجاز هذا ا