الجلسة الصباحية "واقع التعمير"

 قبل الشروع في الإنصات لمداخلات السادة المشاركين في الجلسة الصباحية المخصصة لمدارسة واقع التعمير بالمغرب والتي أدارها السيد الحسين الطعواتي المفتش العام بالنيابة للوزارة المكلفة بالإسكان والتعمير، تم تصدير هذه الجلسة بشريط وثائقي قصير عبرت من خلاله شخصيات تمثل مختلف شرائح المجتمع عن وجهة نظرها حول واقع التعمير بالمغرب، ويمكن إجمال أهم ما جاء في هذا الشريط  في :

- التـركيز على أن التعمير يهم كافة فئات المجتمع وخاصة النساء وذوي الاحتياجات الخاصة ؛

- الإشارة إلى أن التمركز المفرط للسكان والأنشطة الصناعية يخل بالتوازن البيئي وخاصة الإضرار بالثروة المائية والأراضي الفلاحية ؛

- التنبيه إلى الخصاص الكبير في المرافق الاجتماعية ؛

- إثارة الانتباه إلى إشكالية الهجرة من البادية إلى المدينة ومن المدينة إلى البادية وتأثيرها على واقع التعمير بالمغرب ؛

- الإهمال البين للهندسة المعمارية الجهوية والمحلية ؛

- التأكيد على جمود وثائق التعمير وعدم قدرتها على مواكبة واقع التعمير بالمغرب ؛

- الإشارة إلى أن قوانين التعمير الحالية قوانين متجاوزة وأن الواقع يفرض التفكير في قوانين تعميرية تنشط سوق الشغل وتؤهل المغرب إلى ولوج العولمة وتنظيم المنافسة.

وبعد مشاهدة الشريط تناول الكلمة المتدخلون في هذه الجلسة حيث تطرقوا لمحاور وقضايا مختلفة خلصوا منها إلى ما يلي :

* السيدة أسماء الشعبي (رئيسة المجلس البلدي للصويرة)

ركزت في مداخلتها على أوضاع التعمير والسكن بمدينة الصويرة التي وإن كانت تتميز بعدم وجود سكن صفيحي، فإنه في المقابل تبقى وضعية السكن والتعمير بها مقلقة وذلك للأسباب الآتية :

- الانتشار الواسع للسكن الهش بحكم قدم المدينة ؛

  تعرض المدينة لفيضانات متوالية ؛

-  ضعف المرافق وتجهيزات القرب.

 وإزاء هذه الوضعية طالبت السيدة أسماء الشعبي بضرورة تمكين المجالس البلدية بالوسائل المادية للقيام بدورها في تجهيز الأحياء ناقصة التجهيز، وتشجيع القطاع الخاص والمجتمع المدني للاضطلاع بدور هام في هذا المجال من جهة، وتساءلت عن إمكانية إعداد قوانين تعمير جهوية تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية لكل منطقة من جهة أخرى.

* السيد محمد المالطي (مدير مركزي بمديرية التعمير)

 في مداخلته، وبعد أن  ذكر بتقادم قوانين التعمير التي ترجع بوادرها الأولى لسنة 1914 وكذا التذكير بطابعها الجزئي ومعالجتها الظرفية لمشاكل كانت قائمة في تلك المرحلة، طالب بمراجعة شمولية لقوانين التعمير تطال الأسس الفلسفية والمرجعية والإيديولوجية التي تقوم عليها هذه القوانين.

ومن وجهة نظره، ينبغي أن يستحضر هذا التغيير الشمولي لقوانين التعمير نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى الذي أفرز عدة مؤشرات تفيد ظهور تطورات ملحوظة على المستوى السكاني والحضري وكذا الكثافة السكانية، واستدل على ذلك بمدينتي الرباط  وخاصة الدار البيضاء التي تعرف نموا حضريا متزايدا بشكل كبير. وقد أرجع المتدخل سبب هذا النمو غير المنضبط إلى عامل رئيسي هو انتشار السكن غير القانوني الذي يعبر بدوره عن ظاهرة انتشار التعمير الذاتي.

وفي معرض حديثه عن الهيكلة الحضرية، أشار إلى كون العديد من المدن، وبسبب القدم الذي تعرفه، تعيش الآن مرحلة الشيخوخة.

 وعليه، يبقى التفكير في تهيئة مدن جديدة وحديثة أمرا ضروريا، مع تنبيهه إلى أن هذه المدن ينبغي أن تستحضر في إعدادها مختلف الأبعاد  من بينها وبالأساس بعد التنمية المستدامة.

وفي الأخير، تساءل السيد المتدخل عن ضرورة الاستمرار في تخطيط المجال، وقد كان جوابه على السؤال  بالإيجاب، لكن شريطة أن يكون هذا التخطيط استراتيجيا وواقعيا.

* الأستاذ عبد الغني أبو هاني (أستاذ بالمعهد الوطني للتهيئة والتعمير)

 في مداخلته، أثار السيد المتدخل الخصائص التي تطبع قوانين التعمير الجاري بها العمل، وقد حصر هذه الخصائص في :

- الاستقرار والجمود ، هذا في الوقت الذي يعرف فيه واقع التعمير دينامية كبيرة وضاغطة، الشيء الذي يجعل اللجوء إلى مسطرة الاستثناءات أحد الحلول لاحتواء هذه المفارقة ؛

- طول مسطرة إعداد تصاميم التهيئة التي تأخذ في المتوسط 4 سنوات كفترة زمنية للإعداد؛

- مركزية إعداد وثائق التعمير وتهميش البنيات اللامركزية التي تبقى مشاركتها في إعداد هذه الوثائق مجرد مشاركة شكلية. ويترتب عن هذا الوضع عرقلة ومعارضة تنفيذ مضامين هذه الوثائق من قبل الجماعات المحلية التي يكاد ينحصر دورها في هذا المجال في "شرطة البناء"؛

- تعدد المتدخلين في واقع التعمير بالإضافة إلى تضارب الاختصاصات وتشتت المسؤوليات؛

- تخطيط تعميري لا يواكبه تخطيط عقاري؛

وفي الأخير أوصى السيد المتدخل ب :

 - حصر عدد المتدخلين في مجال التعمير مع توضيح الاختصاصات وتحديد المسؤوليات وتقسيم الأدوار ؛

- التحكم في العقار كوسيلة أساسية للتحكم في تطبيق وثائق التعمير.

 * الدكتور إبراهيم مجدي (منسق ENDA Maghreb)

حاول في تدخله تسليط الضوء على مجموعة من المشاكل التي يعرفها واقع المدن وقد حصرها في:

- نقص في فضاءات الأنشطة الترفيهية ؛

- نقص في المساحات الخضراء ؛

- ضعف المساعدة التقنية الممنوحة للجماعات المحلية ؛

- ضعف مصاحبة السكان المعنيين بعمليات إعادة الهيكلة، في الاستفادة من المرافق العمـومية.

 وقد أوصى المتدخل بضرورة إدماج السكان في مشاريع التهيئة الحضرية بالمناطق الهامشية، والعمل سويا مع جمعيات الأحياء  وإشراكها في قضايا التنمية الحضرية، هذا  على الرغم من عدم وضوح هذه المشاركة على المستوى المفاهيمي حسب رأيه.

* السيد رشيد الجامعي (نائب رئيس الفيدرالية الوطنية للعقار)

على غرار من سبقه من المتدخلين، حاول السيد الجامعي إبراز بعض مظاهر الخلل في واقع التعمير بالمغرب وقد عدد بعضا منها وحصرها في:

- التناقضات التي تميز قوانين التعمير بالمغرب ؛

- عدم تحديد الجهة المسؤولة مباشرة عن التعمير ؛

-  تعدد المتدخلين في قطاع التعمير؛

-  التعمير بالمغرب وسيلة لإغناء بعض الفئات وتفقير أخرى ؛

- الإحصائيات بالمغرب غير محينة وغير واقعية ؛

-  التعمير بالمغرب لا يستجيب للطموحات الحكومية، فإنجاز 100 ألف وحدة سكنية أو تسجيل 700 ألف تلميذ سنويا (مشاريع) لا تقابلها استراتيجية من أجل تجسيدها على مستوى وثائق التعمير ؛

- غياب رؤية مستقبلية شمولية وواضحة في مجال التعمير على المستوى الجهوي.

 وقد أوصى بدوره بتأسيس تعمير ديمقراطي غير مسيس ومبني على قواعد العدالة والمساواة. 

 * السيد أديب علوي (مدير الوكالة الحضرية بالعيون)

خلافا للمتدخلين السابقين ركز على واقع الوكالات الحضرية باعتبارها توجد في قلب تضارب المصالح على المستوى المحلي لكونها تلعب دور التحكيم وإبداء الرأي وكذا المعارضة.

كما أثار الانتباه إلى الانطباعات المثارة التي تضفي هالة على الوكالات الحضرية في الوقت الذي يمكن اعتبارها مجرد "نمور من ورق" لافتقارها إلى إمكانيات ووسائل العمل.

وقد اعتبر المتدخل أن حل مشاكل التعمير في المغرب لا يتوقف فقط على المقاربة القانونية لأن التعمير عمل محلي يحتاج إلى كثير من الآليات والتشاور.

وبخصوص التعمير المشاركاتي فقد أوصى بعدم الذهاب فيه بعيدا.

* السيد أحمد النادري ( مدير المؤسسة الجهوية للتجهيز والبناء بمكناس)

 حصر المتدخل كلمته في النقط الآتية:

- عدم كفاية النصوص القانونية المنظمة لمجال التعمير؛

- انعدام أداة قانونية بخصوص التدخل في المناطق الناقصة أو المنعدمة التجهيز؛

- عدم استحضار مكاتب الدراسات للوضع القانوني للعقارات إبان إعداد وثائق التعمير؛

- إشكالية تنزيل محتويات وثائق التعمير على أرض الواقع بسبب انعدام مصادر التمويل؛

-  تعدد المتدخلين في قطاع التعمير وعدم تحديد صلاحيتهم بشكل دقيق.

 وقد أوصى المتدخل ب:

- إعطاء مدلول حقيقي لمفهوم اللامركزية وعدم التركيز في مجال التعمير؛

- التفكير في ممارسة حق الأولوية كآلية للتحكم في العقار؛

-  وضع أنظمة خاصة جهوية للبناء.

مداخلات المشاركين

بعد انتهاء المتدخلين من إلقاء عروضهم، تناول الكلمة العديد من المشاركين لمناقشة العروض من جهة، والإدلاء بمقترحات وملاحظات بخصوص واقع التعمير والقوانين المؤطرة له من جهة أخرى. ويمكن إجمال أهم مضامين مداخلات المشاركين فيما يلي :

-  مدينة الرباط من المدن المغربية التي لم تعرف توسعا عمرانيا كبيرا أو غير متحكم فيه، ويرجع الفضل في ذلك إلى وجود توجهات على مستوى وثائق التعمير تتحكم وتضبط كل عمليات العمران غير المرغوب فيها. على خلاف مدينة الدار البيضاء التي تعرف توسعا عمرانيا خارج إطار القانون، ويرجع السبب في ذلك إلى وجود توجهات تسمح بعدم التدخل للحد من ظاهرة التوسع المذكورة.

-  بعض المدن المغربية بدأ يغلب عليها طابع البداوة (ruralisation des villes)؛

-  قوانين التعمير قوانين جامدة ومتصلبة ؛

-  التعمير يندرج ضمن أهم محاور وأهداف المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ؛

-  من المشاكل التي يعرفها قطاع التعمير مشكل البنيات التحتية وخصوصا مشكل التطهير ؛

- لا بد من إجراء نقاشات وحوارات ومشاورات جهوية بشأن إعداد مدونة التعمير، لأن هذه الأخيرة ليست إلا أداة وتطبيقها يتطلب حل العديد من المشاكل ؛

- عند إعداد ووضع وثائق التعمير يجب الأخذ بعين الاعتبار :

* إشكالية العقار وأنظمته القانونية المتعددة والمعقدة ؛

* التمـويل أو البرمجة المالية التي تشكل الأداة الحقيقية لأجرأة مضامين وثائق التعمير ؛

* عدد المتخلين وإشكالية تعددهم وعدم وضوح صلاحياتهم ومسؤولياتهم.

- إعطاء مدلول حقيقي وواضح للامركزية وعدم التركيز على مستوى تدبير مجال التعمير بالمغرب ؛

- الاستثناءات في مجال التعمير إجراء لابد منه، بحيث أن عددا من الأحياء الكبرى كحي الرياض بالرباط  وحي السلام بسلا  تم إنشاؤهما في إطار استثناءات تعميرية ؛

- التأكيد على التدبير المركزي لمجال التعمير ؛

- الأخذ بعين الاعتبار البعد الإنساني/ الأنتروبولوجي أثناء وضع وثائق التعمير ؛

وقد تخللت هذه المداخلات بعض التساؤلات التي جاءت كالآتي :

- هل المؤسسات اللاممركزة قادرة على تحمل مسؤولياتها في مجال حساس كمجال التعمير؟

- هل الحديث عن مدونة للتعمير يعني إعداد مدونة بقوانين جديدة غير مسبوقة وهنا هل سيكون الحديث عن ولادة جنينية لقوانين التعمير؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد إدخال تحسينات وتعديلات على القوانين المعمول بها وهنا هل  سيكون الحديث عن معالجة طفل مريض ؟

أجوبة السادة المتدخلين

 للإجابة على تساؤلات ومداخلات السادة المشاركين تناول الكلمة على التوالي :

* السيد محمد المالطي (مدير التعمير)

في جوابه لم ينف أهمية الترسانة القانونية التي تعود جذورها لسنة 1914 حيث مكنت من تحقيق العديد من المكتسبات التي لا يمكن تجاهلها.

كما أعرب عن عدم معارضته لوضع قوانين خاصة جهوية أو محلية ، غير أنه أكد أن راهنية المرحلة تقتضي وضع مدونة تستوعب كل الخصوصيات المحلية والجهوية.

 أما بالنسبة للاستثناءات، فقد عبر عن كون هذا الإجراء غير مقبول لدى رجال القانون، إلا أنه يبقى حلا مناسبا للبراغماتيين حيث تمكنهم من التدخل وحل المشاكل التي تواجههم.

وبخصوص اللامركزية فقد وقف مدافعا عنها وعارض الاستدلال بتجارب فاشلة في مجال التدبير المحلي من أجل ضرب مبدأ اللامركزية في مجال التعمير معتبرا إياه مسلسلا قد انطلق ولا يمكن التراجع عنه.

أما فيما يتعلق بما أثير حول التوسع العمراني لمدينة الدار البيضاء وما صاحبه من مشاكل، فقد اعتبر أن هذه المدينة ومشاكلها تعتبر أولوية وطنية وليست محلية لكونها القطب الاقتصادي الأساسي على المستوى الوطني.

وفيما يخص الملاحظة المثارة بخصوص التراجع المسجل بالنسبة للامركزية في ظل قوانين التعمير الجاري بها العمل مقارنة مع قانون 1952، فقد برر المتدخل ذلك بحالة الاختناق التي شهدها قطاع الاستثمار في تلك المرحلة، وعليه كان لزاما على الدولة أن تتدخل من خلال القانونين 90-12 و90-25 لتعيد الاعتبار للاستثمار في مجال التعمير.

* السيد عبد الغني أبو هاني (أستاذ بالمعهد الوطني للتهيئة والتعمير)

في رده على تساؤلات المشاركين، أوضح أن عملية التدوين لا تعني بالضرورة التخلي على الترسانة القانونية المعمول بها حاليا، وإنما تعني تجميع النصوص المتفرقة مع مراجعتها وإدخال تعديلات عليها.

وبشأن منهجية إعداد المدونة، فقد نبه المتدخل إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من المتغيرات والتطورات التي عرفها واقع اللامركزية من قبيل :

- وجود رؤساء ذوي مستويات ثقافية وعلمية على رأس العديد من الجماعات المحلية؛

- التطور الكمي للمهندسين لدى الجماعات المحلية.

وبالإضافة إلى التطورات المذكورة، فقد أشار إلى دينامية الحركة الجمعوية من جهة، وتواجد وانتظام المهنيين داخل إطارات قانونية فاعلة.

هذا ولم يفت المتدخل، الإشارة إلى المفارقة المتمثلة في منح الميثاق الجماعي الجديد للمجالس الجماعية مجرد دور استشاري في كل ما يتعلق بقضايا التعمير.

وبالنسبة للإستثناءات فقد أشار المتدخل إلى أن قوانين التعمير لسنة 1992 حاولت تنظيمها لكن بقيت غير واضحة، معتبرا إعداد المدونة فرصة لتدارك هذا الموضوع من أجل طمأنة المهنيين وحمايتهم، وألح في نفس الوقت على توضيح مجال المشاورة والتمويل.

* السيدة أسماء الشعبي (رئيسة المجلس البلدي للصويرة)

ركزت في جوابها على ضرورة توفير مرافق القرب والحد من ظاهرة الهجرة.

* السيد أديب علوي (مدير الوكالة الحضرية للعيون)

في بداية جوابه، تحدث عن الوضعية الخاصة للتعمير بالعيون وركز بشكل أكبر على معضلة الأراضي التي تعود ملكية غالبيتها إلى الخواص.

وبعد ذلك تحول إلى الحديث عن نشأة قوانين التعمير بالمغرب، حيث أوضح أن هذه القوانين لا تعود في الحقيقة إلى سنة 1914 تاريخ صدور قانون التعمير المطبق على المناطق والأحياء الفرنسية بالمغرب، وإنما تعود نشأتها إلى مصادر قواعد التعمير الإسلامية المطبقة منذ قرون داخل المدن المغربية القديمة، كما أشار إلى أنه لم تتم الاستفادة المثلى من مبادئ هذه القواعد.

وكغيره من المتدخلين، أكد أنه لا يوجد تعمير بدون استثناءات، فقط يجب وضع حدود وضوابط لها

المتدخلين

- أسماء الشعبي، رئيسة المجلس البلدي للصويرة ؛

- رشيد الجامعي، نائب رئيس الفدرالية الوطنية للعقار؛

- إبراهيم مجدي، منسقENDA Maghreb  ؛

-عبد الغني أبو هاني، أستاذ بالمعهد الوطني للتهيئة والتعمير؛

- أديب علوي، مدير الوكالة الحضرية للعيون؛

- محمد مالطي، مدير التعمير؛

-  أحمد النادري، مدير المؤسسة الجهوية للتهيئة والبناء بمكناس.