الجلسة المسائية : توجهات مدونة التعمير ومنهجية الإعداد
استأنف المشاركون في الجلسة المسائية التي أدارها السيد أحمد نور الدين مهندس معماري بمديرية التعمير، أشغال هذا اليوم الدراسي، حيث ألقيت مداخلات تمحورت حول توجهات مدونة التعمير ومنهجية الإعداد. وقد تناول الكلمة على التوالي :
* السيد عبد الرحمان الشرفي (المدير العام للتعمير والهندسة المعمارية)
فضل السيد المتدخل أن يصيغ مداخلته على شكل أسئلة موجهة للحضور على أساس التفكير فيها وتحليلها ومحاولة الإجابة عليها، وقد جاءت أسئلته كالآتي :
- كيف يمكن أن يكون التعمير جالبا للاستثمار؟ وقد أجاب من جانبه بأن ذلك يمكن أن يتم عن طريق :
. تهيئة مدن حديثة ذات بنيات تحتية قادرة ومؤهلة لجلب الشركات الدولية ؛
. حل إشكالية العقار والأنظمة العقارية ؛
. فتح مشاورات مع المتدخلين والمنعشين في مرحلة إعداد الوثائق.
- كيف يمكن للجماعات المحلية أن تلعب دورا طلائعيا في ميدان التعمير وهل هي جاهزة للقيام بهذا الدور وهل يمكن إشراكها في إعداد الوثائق منذ البداية وليس فقط بعد إعدادها لأن الإشراك القبلي يساعد على تفادي المشاكل والعراقيل التي قد تظهر عند التطبيق الفعلي لوثائق التعمير؟
- كيف يمكن التوفيق بين المحافظة على البناء بمعايير جهوية وبين مسالة التكلفة التي تطرحها مواد البناء المحلية ؟
وفي الأخير طالب بالأجرأة الفعلية لقوانين التعمير والتفكير في كيفية تقريب المرافق الاجتماعية الضرورية من الفئات المعوزة التي تعيش عادة على هامش المدن.
* السيد عمر الفرخاني (رئيس المجلس الوطني لهيأة المهندسين المعماريين الوطنية)
في بداية تدخله رفع السيد الفرخاني إلى المشاركين في اليوم الدراسي شكوى المهندسين المعماريين من بطء وتعقد المساطر الإدارية، واعتبر انطلاقة إعداد مدونة التعمير مناسبة لتجاوز هذه السلبيات .
كما دعا إلى أخد الدروس من التجارب المغربية السابقة ومن تجارب بعض الدول الأجنبية. وقد اختار النموذج الفرنسي مثالا يحتدى به في القدرة على مراجعة ومساءلة قوانين التعمير حيث لاحظ المختصون والمهتمون أن مدونة التعمير الفرنسية الصادرة سنة 1973 تهم تدبير الإطار العقاري أكثر مما تهم المجال التعميري.
وفي تعليقه عن التعمير التشاركي، اعتبر المتدخل أن الطريقة التي يتناول بها هذا المفهوم عامة ومبهمة. ومن ثم طالب باعتماد منهجية وبيداغوجية محددة تتمثل في فتح حوار وطني حول التعمير شبيه بالحوار الوطني حول إعداد التراب.
وعلى النقيض من المداخلات السابقة ، حذر السيد الفرخاني من محاولات التبسيط والتساهل في التعاطي مع قضايا التعمير بمختلف أشكالها لتمرير أي شيء تحت ذريعة تشجيع الاستثمار رافضا في الوقت ذاته أن يكون التعمير مجالا للاستثمار فقط.
وفي ختام تدخله أوصى السيد الفرخاني بإعداد مدونة للغد تتمتع بالاستقرار بحيث يعمل بها لمدة 10 سنوات أو20 سنة والأخذ بعين الاعتبار التطور الذي لحق الساكنة المغربية التي بدأت تتجه نحو الشيخوخة بدل طابع الشباب الذي يميزها حاليا.
* السيد عبد الإله بوزيدي (رئيس مجلس مقاطعة أكدال الرياض)
كلمة السيد المتدخل كانت عبارة عن توصيات يمكن إجمالها في ما يلي :
- الدعوة إلى مأسسة المقاربة المشاركاتية في ميدان التعمير واعتماد الحكامة الحضرية ؛
- المطالبة بتعميم وثائق التعمير على جميع التراب الوطني ؛
- التأكيد على تضمين التصميم المحلي الذي سيحل محل تصميم التهيئة البعدين الإستراتيجي والعملي بشكل يدعم سياسة التنمية الجماعية ويفيد مشروعها الحضري؛
- التنبيه إلى ضرورة إعداد وثائق التعمير وتأسيسها على مبادئ المرونة وذلك لضمان تكيف الوثائق المذكورة مع كل حالة ؛
- الإشارة إلى ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة المبنية على المقاربة التشاورية؛
- المطالبة بإعطاء الجماعات المحلية دورا حقيقيا في ميدان التعمير بدل حصر دورها في المجال الاستشاري ؛
- الدعوة إلى إحداث آليات التعاون والتنسيق بين الجماعات المحلية والوكالات الحضرية في مجال التعمير ؛
- إحداث جهاز يشرف على تشجيع الاستثمار في مجال التعمير.
* السيد إبراهيم الزيـاني (مدير التشريع والمراقبة بقطاع البيئة)
تساءل في مطلع مداخلته عن المعنى المراد بمصطلح المدونة، هل المقصود بها إعداد قانون جديد للتعمير أم المقصود بها مجرد عملية التدوين، وقد أجاب بنفسه عن هذه التساؤلات معتبرا أن تفسير مصطلح المدونة تحكمه من الناحية القانونية 3 تصورات :
1- تجميع النصوص ذات الصلة بمجال التعمير.
2- إعادة الترتيب والتنظيم من جديد للنصوص –بالإضافة إلى تجميعها– ليحصل الانسجام ؛
3-إعادة البناء القانوني كلية.
وحسب رأيه، فإعداد المدونة ينبغي أن يتجه أكثر نحو إعادة البناء ككل.
وأضاف أن عملية الإعادة الجذرية عملية شاقة ومعقدة تطلبت من الدول التي خاضت هذه التجربة تقنيات خاصة وكفاءات قانونية عالية، وتساءل عن مدى استعداد المغرب لخوض هذه التجربة بشروطها الموضوعية. وإلى جانب ذلك صرح بأن إعداد المدونة يتطلب تنسيقا من مستوى عال مع الأمانة العامة للحكومة لتفادي العراقيل في المستقبل.
وعن الحدود التي ينبغي أن تقف عندها مدونة التعمير نبه المتدخل إلى وجود قوانين تتجاور مع قوانين التعمير وتتداخل معها كقوانين البيئة وقوانين الجماعات المحلية.
* السيد حسن باهي (مدير المركز الجهوي للاستثمار بجهة مكناس تافيلالت)
في كلمته تطرق السيد المتدخل إلى علاقة التعمير بالاستثمار، مؤكدا أن التعمير والتخطيط العمراني بالمغرب شيء ضروري. ويتأكد هذا الأمر أكثر في الظروف المعيشية الحالية حيث نسبة النمو لا تتجاوز 3,2% وذلك منذ 40 سنة، ومن وجهة نظره هذه النسبة من النمو لا تكفي لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب. وأفاد بأنه لا مناص من تحقيق نسبة نمو تصل إلى 6 أو %7 للخروج من المعضلات المذكورة، ولا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بدعم الاستثمار لأجل خلق الثروات وتوفير مناصب الشغل.
وعليه فإن السيد حسن باهي يقترح :
- بذل مجهود أكبر في مجالي الاستثمار والسكن الاجتماعي ؛
- إخضاع المشاريع الكبرى للقانون ؛
- تحديد الشروط والمعايير التي يجب توفرها في المشاريع التي تستلزم الاستفادة من رخص استثنائية ؛
- إحداث لجنة واحدة تشرف على الملفات الاستثمارية بدل 3 لجان.
* السيد مولاي عبد السلام شيكري (مدير مركزي بمديرية الشؤون القانونية)
في تدخله تناول السيد شكري بالتحليل موضوع الجلسة المسائية من خلال 6 نقط :
1- مجال التطبيق : بخصوص هذه النقطة ذكر السيد المتدخل بأهمية تحديد وتعريف مجال التطبيق بهدف أن تشمل قوانين التعمير كافة التراب الوطني لأجل القضاء على المناطق اللاقانونية من الناحية التعميرية مع إمكانية الملاءمة بين القاعدة القانونية وخصوصية المناطق ؛
2- تقاطع قوانين التعمير مع تشريعات قطاعية أخرى كقوانين البيئة والمحافظة على التراث وبخصوص هذه النقطة تساءل عن الحدود التي ينبغي أن تقف عندها المدونة، هل هذه الأخيرة ملزمة بمعالجة كل القضايا المطروحة في التشريعات التي تتقاطع معها أم ستكتفي بالانسجام مع أهدافها والمحافظة على مبدأ الاستقلالية في التشريعات، كما نبه إلى عدم جعل التعمير مسؤولا عن كل مشاكل المجتمع ؛
3- تعدد المتدخلين في قطاع التعمير، طالب بإيجاد حل لهذه المشكلة خاصة وأن كل متدخل يخضع لقواعد تنظيمية خاصة به ولا يجمعه مع القواعد المنظمة لباقي المتدخلين الآخرين أي رابط ؛
4- باعتبار قانون التعمير قانونا يمس حق الملكية، فإن المتدخل أثار مسألة الأمن القانوني التي يطرحها هذا القانون، وتساءل عن كيفية التوفيق بين الاستقرار الضروري للقاعدة القانونية في مجال التعمير وبين المرونة المرجوة لهذه القاعدة ؛
5- اللامركزية : بعد أن أكد عدم إمكانية التراجع عن هذا المسلسل، طالب بدعم الجماعات من حيث التأطير التقني وإيجاد صيغ للتعاون البيني لهذه الجماعات (Coopération intercummunale)، هذا ويشترط أن يكون دعم دور الجماعات المحلية كيفيا، ونبه في نفس الوقت إلى أن دور هذه الجماعات لا يمكن أن يكون بدون حدود علما بأن عدة سياسات بمستويات مختلفة (إعداد التراب الوطني- التنمية الجهوية- التنمية المحلية) تتظافر على المجال المحلي وبالتالي لا يجوز إحتكاره من طرف أية جهة ؛
6- منهجية إعداد مدونة التعمير، دعا إلى اعتماد أسلوب التشاور مع جمعيات المجتمع المدني المهيكلة جهويا أو وطنيا من جهة ومع عينات من الساكنة من جهة أخرى.
وحيث أن للمدونة دور التحكيم بين مصالح متضاربة، فقد طالب بإجراء دراسة الجدوى لمشروع المدونة ترتكز أساسا على الجانب القانوني والاقتصادي والاجتماعي.
وفي ختام كلمته، وحيث أنه اعتبر مجال التعمير مجالا معقدا، وأن القانون وحده لا يمكن أن يحل المشاكل القائمة، فإن المتدخل دعا إلى ضرورة اتخاذ كافة الإجراءات المصاحبة من قبيل التأطير التقني وتوزيع المهنيين على مجموع التراب الوطني لأجل ضمان تطبيق أحسن للمدونة في المستقبل.
مداخلات المشاركين
بعد الانتهاء من المداخلات، توالى على المنصة عدد من المشاركين في هذا الملتقى تقدموا بعدد من الأسئلة والملاحظات والمقترحات نجملها في النقط الآتية :
- التعمير بالمغرب في وضعية غير قانونية بسبب خرق الإدارة نفسها للقوانين الجاري بها العمل في ميدان التعمير، ولو تم تفعيل دور المحاكم الإدارية لوجدت الإدارة نفسها في حرج كبير ؛
- تنويع مصادر التمويل من خلال تحصيل جزء من فائض القيمة المترتب عن إدماج بعض الأراضي داخل المدارات الحضرية أو تغيير الغرض المخصصة له المناطق التي تتواجد بها ؛
- ضرورة التحكم في الاستثمار ليكون في صالح المدينة وغير مضر بها، أي ضرورة تحقيق توازن بـين المصالح المادية للمستثمرين والمصالح التي ستجنيها المدينة من وراء هذا الاستثمار؛
- ضرورة إعداد مشروع مدونة التعمير باللغة العربية وذلك لتفادي مساوئ الترجمة من الفرنسية إلى العربية ؛
- إعداد مدونة تهم جميع التراب الوطني ؛
- فتح المجال أكثر للمواطنين والمستثمرين والملاك للتظلم أمام الجهات الإدارية المعنية والتأسيس للتحكيم وذلك قصد حمايتهم من الآثار السلبية للتعمير المحدث خارج القوانين والضوابط المرعية ؛
- التساؤل عن جوهر الإشكالات التي يطرحها التعمير بالمغرب هل تعزى إلى القوانين المطبقة نفسها أم إلى العجز في التدبير المجالي ؛
- إيجاد جهاز إداري وحيد ومسؤول عن التعمير بدل تعدد المتدخلين وما يترتب عنه من مشاكل ؛
- ضرورة الإجابة عن السؤال "من يدبر المدينة؟"
- إيجاد حلول حقيقية لمشكل التمويل الكفيل بتفعيل التدبير الحضري اليومي.
أجوبة المتدخلين
وقد كانت أجوبة المتدخلين على مختلف الأسئلة والملاحظات المثارة متمحورة حول النقط الآتية :
- إعداد المدونة ينبغي أن يتم مع الآخرين وليس لصالح الآخرين ؛
- القاعدة القانونية في مجال التعمير قاعدة غير عادية لكون مجال التعمير مجالا مركبا يتداخل فيه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغيرها من العناصر المؤثرة في تطور المدينة ؛
- إيلاء الأهمية لإطار العيش بالمدينة وليس للسكن فقط ؛
- إعطاء التعمير دورا مهما في المساهمة في الاستثمار وجلب المستثمرين ؛
- المغرب يوجد في حالة حرجة والقطاعات المنتجة كلها في وضعية صعبة، ولولا الاستقرار السياسي والموقع الجغرافي للمغرب، لكانت أوضاع الاستثمار أسوء مما هي عليه الآن؛
- المطالبة بأن يكون للمدونة دور في تدبير مسألة الوقت على مستوى الاستثمار (أي تفادي البطء وطول المساطر والتعقيدات الإدارية) من جهة، وأن يكون لها دور كذلك على مستوى مأسسة التفاوض في كل ما يتعلق بقضايا الاستثمار ؛
- إرجاع مسؤولية الأوضاع المتأزمة للتعمير إلى غياب التدبير السليم لمدة عقود ساد فيها الهاجس الأمني وعدم تحديد المسؤوليات ؛
- النقص الذي تعرفه الجماعات المحلية على مستوى المهندسين لا يساعد على التحكم والتأطير الجيد للتعمير على صعيد هذه الجماعات ؛
- التأكيد على أن التعمير التشاوري يعتمد أساسا على الحوار وإشراك المجتمع المدني المهيكل.
المتدخلين
- عبد الإله بوزيدي، رئيس مجلس مقاطعة أكدال الرياض ؛
- عمر فرخاني، رئيس الهيأة الوطنية للمهندسين المعماريين ؛
- حسن باهي، مدير المركز الجهوي للاستثمار مكناس تافيلالت ؛
- إبراهيم الزياني، مدير التشريع والمراقبة بقطاع البيئة ؛
- عبد الرحمان الشرفي، المدير العام للتعمير والهندسة المعمارية ؛
- مولاي عبد السلام شيكري، مدير الشؤون القانونية.